فهرس الكتاب

الصفحة 2019 من 2431

المسابقة

أولًا: المعنى اللغوي:

من خلال البحث في معاجم العربية وجدت أن مادة «سبق» تطلق في اللغة على عدة معان:

منها: التقدم والتبكير والمبادرة، وما يوضع بين أهل السباق ليناله السابق منهم.

فمن التقدم قولهم: (سابَقَهُ مُسَابَقَةً وسِباقًا فَسَبَقَهُ، إذا تقدم عليه، والسَّبْقُ: القدمة في الجري وفي كل أمر) 1.

ومن التبكير قول صاحب اللسان: (والسَّبَقُ من النخل: المبكرة بالحمل) 2.

ومن المبادرة قولهم: (وأسبق القوم إلى الأمر وتسابقوا: بادروا ومنه قوله عز وجل {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ} [يوسف:25] ومعناه: ابتدرا الباب، يجتهد كل واحدٍ منهما أن يسبق صاحبه) 3.

وقال ابن منظور: (والسبق بفتح الباء: ما يجعل من المال رهنًا على المسابقة) 4.

وأرى: أن المعنى الأول هو المراد هنا، وهو الأقرب إلى مقصود البحث، وبقية المعاني تؤول إليه، وفي ذلك يقول ابن فارس: (السين والباء والقاف أصلٌ واحدٌ صحيحٌ يدل على التقديم. يقال سَبَقَ يَسْبِقُ سَبقًا) 5.

ويؤكد ذلك أيضًا صاحب «المعجم الاشتقاقي» فيبين المعنى المحوري لهذا الفعل، وأنه: تقدم الشيء من بين ما حوله في قوة وجدٍّ 6.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

المسابقة في الاصطلاح: «التقدم والمبادرة وبذل غاية الجهد والطاقة بين متسابقين أو أكثر في أمر من الأمور الدنيوية أو الأخروية؛ لتحصيل السبق والفوز على الآخر» 7.

وردت مادة (سبق) في القرآن الكريم (37) مرة 8.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 18 ... {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} [الأنفال:68]

الفعل المضارع ... 5 ... {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (5) } [الحجر:5]

فعل الأمر ... 3 ... {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [الحديد:21]

المصدر ... 1 ... {فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) } [النازعات:4]

اسم فاعل ... 8 ... {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} [فاطر:32]

اسم مفعول ... 2 ... {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) } [الواقعة:60]

وجاءت المسابقة في القرآن على خمسة أوجه 9:

أحدها: الوجوب: ومنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) } [الصافات:171] . يعني: وجبت.

الثاني: الاصطياد: ومنه قوله تعالى: {قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} [يوسف: 17] يعني: نصطاد.

الثالث: التقدم للهروب: ومنه قوله تعالى: {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ} [يوسف: 25] يعني: تبادرا.

الرابع: الفوت: ومنه قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا} [العنكبوت: 4] يعني: يفوتونا.

الخامس: الفوز بالجنة: ومنه قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} [الواقعة: 10] . يعني: السابقون إلى الجنة.

المسارعة:

المسارعة لغة:

المسارعة في الأصل تعني التقدم فيما ينبغي أن يتقدم فيه، وهي محمودة 10، وتعني أيضًا المبادرة والمباشرة للشيء بسرعة 11، وتقتضي الجد والاجتهاد في أمر من الأمور، يقال: أسرع فلان المشي، وأسرع إلى كذا وكذا، يريدون: أسرع المضي إليه، وسارع بمعنى أسرع 12، أي: تقدم وسبق غيره.

المسارعة اصطلاحًا:

«هي المبادرة إلى الطاعات والسبق إليها والاستعجال في أدائها وعدم الإبطاء فيها أو تأخيرها» 13.

الصلة بين المسارعة والمسابقة:

أن المسابقة متقدمة على المسارعة، وسابقة عليها؛ حيث إن (أي سباق مهما كان نوعه ومسافته لا بد له من مرحلتين: الأولى: مرحلة السباق والانطلاق، والثانية: مرحلة الإسراع في السباق، فمثلًا السباق في الجري، عندما يبدأ الشوط الأول يتسابقون، وبعد فترة يسارعون في السباق، بأن يضاعف المتسابقون سرعتهم، ويتحولوا من مجرد مسابقة إلى المسارعة في المسابقة، وسنجد أن بعض المتسابقين قد يسقط في الطريق، ويخرج من السباق، ولا يصل إلى مرحلة المسارعة إلا أصحاب الطاقات والهمم والسرعات والعزائم، أولئك الذين لديهم زاد قوي يعينهم على إكمال أشواط المسارعة) 14.

المسارعة أسمى درجة من المسابقة؛ حيث إن المسابقة تقتضي وجود قرين يسابق، فيجتهد المتسابق لتحصيل السبق، فيكون وجود القرين المسابق المخالف دافعًا لمزيد من بذل الجهد والسبق، أما المسارعة فتتعلق بذات العامل نفسه بقطع النظر عمن ينافسه في ذلك، فهو يجد ويجتهد أبلغ الاجتهاد لذاته، يحركه ما يراه من واجب عليه في ذات الأمر وهذا لا يكون إلا لمن علت همته وسمت اهتماماته 15.

كما يلحظ في المسارعة خشية فوات الفرصة، كما يظهر فيها جانب ضيق الوقت خشية عدم إدراكه، فهو يسارع لذلك، وفي المقابل يلحظ في المسابقة ظهور النتيجة، وهي مادية واضحة 16.

يقول البقاعي مفرقًا بين فعلى «سابقوا» و «سارعوا» : (سابقوا: فعل من يسابق شخصًا فهو يسعى ويجتهد غاية الاجتهاد في سبقه، ولكن ربما كان قرينًا بطيئًا فسار هوينًا، أما المسارعة فلا تكون إلا بجهد النفس من الجانبين مع السرعة في العرف) 17.

وبهذا تتضح الصلة بين المصطلحين، وإن كان كل منهما يفيد في مجمله المبادرة، وبذل قصارى الجد والاجتهاد في تحصيل أمر من الأمور، والله أعلم.

المنافسة:

المنافسة لغة:

المنافسة: مأخوذة من الفعل «نافس» يقال: نافَسَ في الشيء مُنافَسَةً إذا رغب فيه على وجه المباراة في الكرم، وتنافسوا فيه، أي: رغبوا 18 أو مشتقة من النفاسة، يقال: شيءٌ نفيسٌ، أي ذو نفاسةٍ وخطر يتنافس به، والتنافس: أن يبرز كل واحدٍ من المتبارزين قوة نفسه 19.

المنافسة اصطلاحًا:

يطلق على المنافسة في اصطلاح بعضهم: أنها مجاهدة النفس للتشبه بالأفاضل، واللحوق بهم من غير إدخال ضرر على أحد من الناس، وفيها قال تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين:26] 20.

الصلة بين المنافسة والمسابقة:

والمتأمل يجد أن بين المسابقة والمنافسة تشابهًا من وجه، وفرقًا من وجه آخر، حيث يشتبهان في أنَّ كلًّا منهما يتطلب بذل جهد ومشقة لتحصيل شيء ما، وفي كل منهما متسابقون أو متنافسون.

ويفترقان في أن المسابقة عامة تعم كل لون من ألوان التسابق، نافعًا كان أو غير ذلك، أما المنافسة فينبغي أن تكون في المعالي، واكتساب المحاسن، والبعد عن المعايب والمساخط، والله أعلم.

المبادرة:

المبادرة لغةً:

الباء والدال والراء، أصلان: أحدهما كمال الشيء وامتلاؤه، والآخر الإسراع إلى الشيء، أما الأول فهو قولهم لكل شيء تم: بدر، وبدر موضع يذكر ويؤنث، والأصل الآخر: قولهم بدرت إلى الشيء وبادرت، وإنما سمي الخطاء بادرة؛ لأنها تبدر من الإنسان عند حدة وغضب 21.

وهذان المعنيان متقاربان؛ حيث إن المبادر إلى شيء ما يسرع إليه، ويسابق فيه حتى يصل إلى درجة الكمال أو يقترب منها، ومن ثم فالمعنى الأول بداية المبادرة والثاني نهايتها.

المبادرة اصطلاحًا:

هي (انطلاقة المؤمن ومسارعته إلى عمل صالح بحافز ذاتي من نفسه، بعد أن يتوافر في نفسه الميزان الأمين ليحدد العمل الصالح من سواه، وليطمئن إلى أنه لا يتجاوز حدوده، ولا يعتدي على غيره، ولا يدخل في فتنة تغضب الله تعالى) 22.

الصلة بين المبادرة والمسابقة:

المسابقة: اندفاع من الشخص اتجاه الشيء ويكون ذلك بدافع المنافسة، أما المبادرة: فقيام الشخص بفعل الشيء ولا يكون إلا بدافع ذاتي.

العجلة:

العجلة لغةً:

العين والجيم واللام أصلان صحيحان، يدل أحدهما على الإسراع، والآخر على بعض الحيوان، والجمع عجل وعجلات، والعجل والعجلة: خلاف البطء 23.

العجلة اصطلاحًا:

«هي طلب الشيء وتحريه قبل أوانه» 24.

وقال المناوي: «العجلة: فعل الشيء قبل وقته اللائق به» 25.

قال الراغب: العجلة طلب الشيء وتحريه قبل أوانه، وهي من مقتضى الشهوة، فلذلك كانت مذمومة في عامة القرآن 26.

الصلة بين العجلة والمسابقة:

الفرق بين العجلة والمسابقة يتضح من خلال النقاط التالية:

أن المسابقة تقتضي مفاعلة بين متفاعلين أو أكثر، والعجلة لا تقتضي ذلك؛ حيث إنها ذاتية نابعة من ذات الشخص.

أن العجلة مذمومة في أغلب أحوالها لكونها من مقتضيات الشهوة، ويتحرى فيها الشيء قبل أوانه،

أما المسابقة فليست كذلك، بل هي محمودة ممدوحة غالبًا، وبخاصة إذا كانت في أمور الآخرة.

حديث القرآن عن «العجلة» حديث عن ذمها غالبًا، ومدح القرآن للعجلة إنما ورد في موضعين اثنين، أحدهما قوله تعالى {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه:84] .

وثانيهما قوله تعالى {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ} [الفتح: 20] .

وأرجى الأقوال بالقبول في مرجع الإشارة «هذه» في الآية إلى فتح خيبر 27،وإنما جعلت غنائم خيبر تعجيلًا لقرب حصوله من وقت الوعد به 28، ويلحظ هنا أنه عبر عما قدم للمؤمنين من غنائم، وفتح سريع بلفظ «التعجيل» لتنبيه المؤمنين أن لا يلتفتوا إلى هذه الأمور الدنيوية لذاتها، فإنها من العاجلة التي لا يحسن بالمؤمنين التطلع إليها لذاتها، إلا أن تكون في ظل الإيمان والطاعة وقصد وجه الله سبحانه، كما ورد أن «التعجل» في المبيت بمنى جاء على وجه الإباحة، والتأخر والإتمام وصف فاعلوه بالتقوى، مما يفيد أن العجلة تصرف ليس بمحمود ابتداءً 29، والله أعلم.

التقدم:

التقدم لغة:

مشتق من الثلاثي «قدم» ، وتحت هذه المادة يقول ابن فارس: (القاف والدال والميم أصلٌ صحيحٌ يدل على سبقٍ ثم يفرع منه ما يقاربه، يقولون: القدم: خلاف الحدوث، ويقال: شيءٌ قديمٌ، إذا كان زمانه سالفًا، وقدم الإنسان معروفةٌ، ولعلها سميت بذلك لأنها آلةٌ للتقدم والسبق) 30، أي: هي التي تتقدم وتسبق عند السير، فيرتكز عليها السائر في تحركه إلى الأمام مع هيئته التي تساعد على ذلك.

التقدم اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي، وهو يدل على سبق الشيء نافذًا إلى الأمام بقوة 31.

الصلة بين التقدم والمسابقة:

المسابقة تجتمع مع التقدم في أن كلًّا منهما فيه سبق.

وتفترق المسابقة عن التقدم بعدة أمور:

أولها: أن المسابقة تقتضي مفاعلة، ووجود متسابقين يشتركون في سباق ما، أو يتنافسون فيه يدفعون الشخص إلى مزيد من بذل الجهد والمشقة للفوز بالسباق، أما التقدم فلا شيء فيه من ذلك.

ثانيها: أن التقدم قد يكون في الزمان، مثل أن تقول: رمضان قدام شوال، أو في المكان، كأن يقول الخارج من مكة: جدة قبل أو قدام مصر، أو في المنزلة، كما تقول: محمد قدام علي، أي: مكانة ومنزلة، أو في الترتيب الصناعي، نحو: تعلم الهجاء قبل أو قدام تعلم الخط 32.

ثالثها: أن التقدم قد يكون في الخير والشر، فأما الخير مثل قولهم: فلان يتقدم رفاقه، أي: في الشرف والمنزلة والمكانة، والشر مثل: فرعون اللعين حين قال الله تعالى فيه {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} [هود:98] .

وهذا بخلاف المسابقة، والله أعلم.

تحدث القرآن الكريم عن التسابق بنوعيه إجمالًا، ومدح منه نوعًا، وبَيَّنَ صفات أهله وأعمالهم، وما ينبغي أن يكون عليه من إرادة اللحوق بركبهم، وذم آخر، وبين ما لأهله من خصال، حتى تجتنب وتحذر، وسيتم الحديث عنها في النقاط الآتية:

أولًا: المسابقة الممدوحة:

المقصود بالمسابقة الممدوحة: الأمور التي أمر الله تعالى بالسبق فيها، وحض القرآن عليها، ورغب فيها، ووعد الممتثلين لذلك خيرًا كثيرًا.

ومن خلال التأمل في كتاب الله تعالى نجد أن ميادين هذا التسابق الممدوح متعددة، وأنواعه القرآنية كثيرة كما يلي:

المراد بالخيرات: كلمة جامعة لكل ما يرغب فيه من الأمور والأشياء النافعة، كالعقل والعدل والفضل والشيء النافع عمومًا، وقد يكون الخير مطلقًا، حينما يكون مرغوبًا فيه بكل حال، عند كل أحد 33.

والأمر باستباق الخيرات ورد في القرآن الكريم في أربعة مواطن من كتاب الله تعالى، أذكرها مرتبة تريبًا مصحفيًّا، ثم أقفيها بالتعليق والتحليل على هذا الترتيب؛ حيث إن موضوع البحث لا يتعلق بالأحكام، ومن ثم فليس من المهم أن ترتب الآيات نزوليًّا حسبما يقتضيه البحث في التفسير الموضوعي.

وأول المواطن قوله تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) [البقرة:148] .

والمفسرون حيال هذه الآية فريقان:

الأول: يرون أن الآية عامة في كل خير ينبغي أن يستبق إليه، ومن ثم فليس الاستباق قاصرًا على التوجه إلى القبلة في الصلاة، وفي ذلك يقول الطبري: (( فَاسْتَبِقُوا) أي: بادروا وسارعوا من «الاستباق» ، وهو المبادرة والإسراع والمراد: بادروا بالأعمال الصالحة شكرًا لربكم، وتزودوا في دنياكم لأخراكم) 34.

الثاني: يرون أن الآية خاصة بحادثة تحويل القبلة، وذلك لكون الأمر باستباق الخيرات واردًا في سياقها، وعليه فيكون الأمر باستباق الخيرات خاصًّا بالاتجاه نحو الكعبة في الصلاة، أو الأمر بالاستباق إلى الصلاة في أول وقتها.

وفي ذلك يقول القرطبي: (أي: بادروا ما أمركم الله عز وجل من استقبال البيت الحرام، وإن كان يتضمن الحث على المبادرة والاستعجال إلى جميع الطاعات بالعموم، فالمراد ما ذكر من الاستقبال لسياق الآي، والمعنى المراد المبادرة بالصلاة أول وقتها، والله تعالى أعلم) 35.

ويقول الزجاج عند تفسير الآية: (أي: فبادروا إلى القبول من الله عز وجل، وولوا وجوهكم حيث أمركم الله أن تولوا) 36.

ويعلق الواحدي على قول الزجاج فيقول: (وعلى هذا فـ «الخيرات» على صيغتها من العموم، وهي مخصوصة هنا؛ لأنه أراد الابتدار إلى استقبال الكعبة) 37.

وأُرَجِّحُ من هذين القولين أولهما؛ إذ أنه رأي الأكثرية من المفسرين 38.

فضلًا عن كونه يتناغم مع القاعدة التفسيرية الشهيرة «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» فالآيات وإن كانت نازلة في شأن تحويل القبلة إلا أن لفظها عام، لا ينبغي قصره على هذه الحادثة بعينها، وعليه فالأولى حملها على العموم، والله أعلم.

ثم يأتينا بعد ثاني المواضع، وهو قوله تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ? إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا) [المائدة:48] .

ويدور فيه ما دار في آية البقرة من العموم والخصوص، والعموم أولى، ولا ثمة داع للتكرار.

وثالثها: قوله تعالى: (أُولَ?ئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) [المؤمنون:61] .

وهذا الموضع وإن كان ورد التعبير فيه بالمسارعة والمسابقة معًا، إلا اعتددت به في باب المسابقة لكونه ذكر «الخيرات» أولًا، ثُمَّ أعاد الضمير عليها في قوله: (لَهَا) مع التعبير بالسبق في قوله: (وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) ومن ثَمَّ اعتبرته من آيات المسابقة إلى الخيرات لهذين الأمرين.

ويعلق القرطبي على الآية فيقول: (قوله تعالى:(أُولَ?ئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) أي: في الطاعات، كي ينالوا بذلك أعلى الدرجات والغرفات، و (يُسَارِعُونَ) على معنى يسابقون مَنْ سابقهم إليها، فالمفعول محذوف، وقوله: (وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) أحسن ما قيل فيه: أنهم يسبقون إلى أوقاتها، ودل بهذا أن الصلاة في أول الوقت أفضل) 39.

فالخيرات هنا اسم عام لكل الطاعات والقربات التي يتقرب بها إلى الله تعالى، ولا تتخصص بشيء معين، والمؤمنون الصادقون يستبقون إليها، ويبادرون غيرهم إلى صنيعها، وحالهم دومًا أنهم سابقون.

وآخر المواطن قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ? فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ? ذَ?لِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) [فاطر:32] .

أقول: اختلف المفسرون حول المراد بهذه الآية اختلافًا كثيرًا إلى أقوال عديدة، أَقْتَصُر هنا على ما رَجُحَ لديَّ منها، وهو أن المَعْنِيِّينَ بهذه الآية هم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم 40، وأن المراد بالميراث: الانتهاء.

قال مقاتل: «ثم أورثنا الكتاب» :يعني القرآن، والمعنى: ثم جعلنا الكتاب ينتهي إليهم؛ لأن من ورث شيئًا كان ذلك الشيء منتهيًا إليه، والوارثون هم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قسمهم ورتبهم فقال: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) قال ابن عباس: بدأ بأشرهم فقال: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) وهو الذي مات على كبيرة ولم يتب منها، ثم قال: (وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) وهو والذي لم يصب كبيرة، (فاسَتبِقٌوا بِالْخَيْرَاتِ) وهم: المقربون الذين سبقوا إلى الأعمال الصالحة.

وقال الحسن: الظالم الذي ترجح سيئاته على حسناته، والمقتصد الذي استوت حسناته وسيئاته، والسابق من رجحت حسناته على سيئاته 41، والله أعلم.

هذا وإني ألحظ على الآيات هنا عدة أمور:

أولها: أن الله تعالى عبر عن فعل الطاعات وأدائها بصيغة «الاستباق» ، وهذا يشير إلى أنه ينبغي أن يسارع المؤمنون إلى مرضاة ربهم، وأن يستبقوا إليها، فيأتوا الصلاة أول وقتها، ويبادروا بالصوم والزكاة والحج وسائر الطاعات متى حان وقتها، من غير تسويف أو تأخير، وإن استطاعوا أن لا يسبقهم إلى الله تعالى أحد فليفعلوا، فكثيرًا ما تعرض الحاجة، وتضل الراحلة، ويمرض الصحيح، ويهرم الشاب وهكذا.

ثانيها: أن الفعل «فاستبقوا» في آيتي البقرة والمائدة تعدى إلى المفعول بنفسه من دون حرف، وهذا فيه دلالات:

ثالثها: التعبير بحرف الجر «اللام» في قوله تعالى: (وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) للدلالة على التعليل، فكأنه قال: هم لأجلها، (والمعنى يرغبون في الطاعات والعبادات أشد الرغبة، وهم لأجلها فاعلون السبق، أو لأجلها سابقون الناس إلى الثواب أو إلى الجنة) 45.

رابعها: التعبير بالاسم في قوله تعالى (وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ) دون الفعل، فلم يقل مثلًا: ومنهم من يسبق بالخيرات» ونحوه، وذلك لأن التعبير بالاسم يدل على الدوام والثبوت والاستمرار، دون الفعل، فهو يدل على التجدد والحدوث، فالله سبحانه يريد من عباده أن يكونوا دومًا سباقين إلى الخيرات في جميع الأوقات والأحوال، لا أن يكونوا سباقين في وقت، ثم بعد ذلك يعتريهم الفتور أو الغفلة، فإنَّ أحبَّ العمل إليه تعالى أدومُهُ وإن قلَّ، والله أعلم.

خامسها: يشير قوله تعالى (بِإِذْنِ اللَّهِ) إلى أن طاعة العبد لربه تعالى، وأي سبق له في الخيرات إنما هو محض فضل من الله تعالى، وأن لا طاقة للعبد على مثل ذلك إلا بعد توفيق الله له، مع صعوبة هذه المنزلة.

وفي ذلك يقول الألوسي (قوله(بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: بتيسيره تعالى وتوفيقه عز وجل، وفيه تنبيه على عزة منال هذه الرتبة وصعوبة مأخذها) 46.

نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من السباقين إلى الخيرات، الوارثين أعلى الجنات.

سادسها: ورد الترتيب في الآية على خلاف المعتاد؛ حيث قدم الظالم ثم المقتصد، وأخر السابق مع أن حقه التقديم، والسر في ذلك -كما يقول الزمخشري-: «الإيذان بكثرة الفاسقين وغلبتهم، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم، والسابقون أقل القليل» 47.

فاللهم اجعلنا من عبادك الأقلين، اللهم آمين.

مغفرة الله منزلة عظيمة لا ينالها إلا من كان أهلًا لها، وسعى في نيلها وطلبها بتعاطي أسبابها، وسلوك سبيلها، ويمنحها الله تعالى لعباده المؤمنين الذين سابقوا إليها، وامتثلوا قوله تعالى: (سَابِقُوا إِلَى? مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ? ذَ?لِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ? وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الحديد:21] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت