قال ابن خلدون: ثم إن علم التعبير علم بقوانين كلية يبنى عليها المعبر عبارة ما يُقص عليه. وتأويله كما يقولون: البحر يدل على السلطان، وفي موضع آخر يقولون: البحر يدل على الغيظ، وفي موضع آخر على الهم والأمر الفادح... فيحفظ المعبر هذه القوانين الكلية، ويعبر في كل موضع بما تقتضيه القرائن التي تعيّن من هذه القوانين ما هو أليق بالرؤيا.
معبرو الرؤى وصفاتهم:
ويضيف ابن خلدون: ولم يزل هذا العلم متناقلًا بين السلف. وكان محمد بن سيرين فيه من أشهر العلماء، وكتبت عنه في ذلك قوانين، وتناقلها الناس لهذا العهد، وألف الكرماني فيه من بعده، ثم ألف المتكلمون المتأخرون وأكثروا.
وفعلًا ... فقد أثر عن ابن سيرين رحمه الله إمام هذا العلم وعلَمُه الشيء الكثير من تعبير المنام.
ومن ذلك أنه دخل عليه رجل وهو بين تلاميذه، فقال: إني رأيت نفسي أُأَذِّنُ. فقال له ابن سيرين: تحج هذا العام إن شاء الله، وقبل أن ينفض المجلس دخل عليه رجل آخر فقال له: إني رأيت نفسي في المنام أأذن. فتفحصه مليًا ثم قال لمن حوله: أمسكو به هذا لص. فتعجبوا من ذلك وزاد عجبهم بعدما أقر الرجل بأنه سرق. ولكن ابن سيرين أزال عجبهم بقوله: أما الأول فيناسبه قوله سبحانه: { وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر } وأما الآخر فيناسبه قوله تعالى { فأذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون } .
ولما تكلم الشيخ النابلسي عن المعبر وصفته قال: وينبغي للمعبر إذا قصت عليه الرؤيا أن يقول: خيرًا رأيت،َ وخيرًا نلقاه، وشرًا نتوقاه. خير لنا وشر لأعدائنا. الحمد لله رب العالمين، اقصص رؤياك. وأن يكتم على الناس عوراتهم، ويسمعَ السؤال بأجمعه، ويميزَ بين الشريف والوضيع، ويتمهلَ ولا يعجل في رد الجواب، ولا يعبر الرؤيا حتى يعرف لمن هي، ويميز كل جنس وما يليق به.