... ويجيبنا على هذا التساؤل خير إجابة الإمام ابن خلدون في مقدمته... يقول عن الخليل وكتابه العين وأسلوبه في حق كلمات اللغة:
( فحصر فيه مركبات حروف المعجم كلها، من الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي، وهو غاية ماينتهي إليه التركيب في اللسان العربي، وتأتّى له حصر ذلك بوجوه عديدة حاصرة، وذلك أن جملة الكلمات الثنائية تخرج من جميع الأعداد على التوالي من واحد إلى سبعة وعشرين، وهو دون نهاية حروف المعجم بواحد، لأن الحرف الواحد منها يؤخذ مع كل واحد من السبعة والعشرين فتكون سبعًا وعشرين كلمة ثنائية، ثم يؤخذ الثاني مع الستة والعشرين كذلك) .
ويتابع ابن خلدون شرح طريقة تراكيب الكلمات عند الخليل حتى يقول بعد ذلك: ( فانحصرت له التراكيب بهذا الوجه، ورتب أبوابه على حروف المعجم بالترتيب المتعارف، واعتمد فيه ترتيب المخارج، فبدأ بحروف الحلق ثم مابعده من حروف الحنك، ثم الأضراس، ثم الشفة وجعل حروف العلة آخرًا، وهي الحروف الهوائية، وبدأ من حروف الحلق بالعين لأنه الأقصى منها، فلذلك سمى كتابه(العين) لأن المتقدمين كانوا يذهبون في تسمية دواوينهم إلى مثل هذا، وهو تسميتةُ بأول مايقع فيه من الكلمات والألفاظ، ثم بيّن المهمل منها من المستعمل، وكان المهمل في الرباعي والخماسي أكثر، لقلة استعمال العرب له لثقله، ولحق به الثنائي لقلة دورانه، وكان الاستعمال في الثلاثي أغلب، فكانت أوضاعه أكثر لدورانه.
... ويقصد بالثلاثية طبعًا ماكان ثلاثة أحرف من الكلمات ككلمة نَصَرَ، والرباعية ماكان رباعيًا كزلزل وهكذا.
طريقة علماء اللغة:
وتابع العلماء الجهود المباركة في تدوين علم اللغة على اختلاف طرائقهم وأساليبهم.
... ويبين بعض تلك الطرق ومستندها صاحب كتاب (أبجد العلوم) فيقول: واعلم أن مقصد علم اللغة مبني على أسلوبين:
لأن منهم من يذهب من جانب اللفظ إلى المعنى بأن يسمع لفظا ويطلب معناه.
ومنهم من يذهب من جانب المعنى إلى اللفظ.