فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
تعزيز ارتباط البوادي القريبة من المدينة بالقيادة النبوية التي منحتهم مشروعية الإقامة والعمل في تلك الأراضي وشجعتهم على تحقيق الاستقرار والسكن في مناطق محددة ، لمواجهة النزوع إلى البداوة ذلك النزوع الذي يؤدي إلى الانقطاع عن التعلم والاتصال بالدولة الإسلامية .
ومما يَسَّر الاندماج أن تعامل الإسلام مع الواقع القبلي جاء هادئًا ومتدرجًا حيث لم يتدخل المسلمون في شأن السُّلُطَات الرئاسية لشيوخ القبائل ولم يعمد المسلمون إلى تغيير الزعامات القبلية إذا استجابت للدعوة فقد وُصِفَ - صلى الله عليه وسلم - بأنه كان يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم [1] ، ومن هديه أنه لا يأمر في قبيلة بأمر فيها إلا لرجل منها ، لنفور طباع العرب أن يحكم في القبيلة أحدٌ من غيرها [2] بل أسند إلى بعض الزعامات القديمة شيئًا من المهام والواجبات كجمع الصدقات وحمل الرايات .
إضافة إلى ذلك كان تغيير العادات والانتقال إلى تطبيق الأحكام الشرعية يتم بصورة تدريجية تعبر عن واقعية هذا الدين ، ولم يكن ذلك الانتقال يتم بصورة فورية ولا من خلال الإلزام القسرى وتصفية العناصر المترددة مما يسر الاندماج السياسي والثقافي من جانب هذه القبائل في بوتقة أمة الإسلام .
ومما يعبر عن اندماج تلك القبائل مع جماعة المهاجرين والأنصار ويجسد تفاعلها مع أهداف الدولة الإسلامية مشاركتها في الجهاد النبوي ضد المشركين وخصوم الدعوة حيث تحولت قوة أعراب المدينة المسخرة لأغراض الغارات والسلب والنهب قبل إسلامها إلى قوة مجاهدة متعاونة مع المجاهد لنصرة الإسلام ، ومن استقرائنا لمصادر السيرة والمغازي نلحظ أن تلك المشاركة أخذت في التصاعد والازدياد منذ غزوة الخندق ، التي تمثل حدًا فاصلًا بين مرحلتين في تاريخ الجزء المدني من العهد النبوي .
(1) البيهقي: دلائل النبوة 1/289 .
(2) ابن الأثير: أسد الغابة 1/136 .