فهرس الكتاب
قال النووى رحمه الله:"هذا من جوامع الكلم التى أوتيها صلى الله عليه وسلم ، لأنا لو قدرنا أن احدًا قام في عبادة وهو يعاين ربه سبحانه وتعالى ، لم يترك شيئًا ما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به فقال صلى الله عليه وسلم: ( اعبد الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان ) فإن التتميم المذكور في حال العيان إنما كان لعلم العبد باطلاع الله سبحانه وتعالى عليه ، فلا يقدم العبد على تقصير في هذا الحال للاطلاع عليه ، وهذا المعنى موجود مع رؤية العبد ، فينبغى أن يعمل بمقتضاه ، فمقصود الكلام الحث على الأخلاص في العبادة ومراقبة العبد ربه تبارك وتعالى في إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك ، وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعًا من تلبسه من النقائض إحترامًا لهم وإستحياءً منهم ، فكيف بمن لا يزال الله مطلعا عليه في سره وعلانيته (1) ."
وقال ابن رجب رحمه الله: يشير إلى أن العبد يعبد الله تعالى على هذه الصفة وهو استحضار قربه ، وأنه بين يديه كأنه يراه ، وذلك يوجب الخشية والهيبة والتعظيم ن كما جاء في رواية أبى هريره: ( أن تخشى الله كأنك تراه ) ويوجب أيضًا النصح في العبادة وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها ، وقد وصى النبى صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة
بهذه الوصية .
وقوله صلى الله عليه وسلم: ( فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) قيل: إنه تعليل للأول ، فإن العبد إذا أمر بمراقبة الله تعالى في العبادة واستحضار قربة من عبده حتى كأن العبد يراه فإنه قد يشق ذلك عليه ، فيستعين على ذلك بإيمانه بأن الله يراه ويطلع على سره وعلانيته وباطنة وظاهره ، ولا يخفى عليه شئ من أمره فإذا تحقق هذا المقام سهل عليه الانتقال إلى المقام الثانى،
وهو دوام التحقق بالبصيرة إلى قرب الله من عبده ومعيته حتى كأنه يراه ، وقيل: