فهرس الكتاب
بل هو إشارة إلى أن من شق عليه أن يعبد الله كأنه يراه فليعبد الله على أن الله يراه ويطلع عليه فليستحى من نظره إليه ، كما قال بعض العارفين: اتق الله أن يكون أهون الناظرين
إليك . وقال بعضهم: خف الله على قدر قدرته عليك واستحى من الله على قدر قربه منك . (2)
وصفوة الكلام أن يقال: مما يعين على التقوى التدرب على مراقبة الله عز وجل
وإحساس القلب بقربة وإطلاعه ، فيستحى العبد عند ذلك من المعصية ويبذل جهده
فى أداء الطاعة على أحسن وجوهها ، وهذه بعض الأثار في تقرير هذا المعنى:
ذكر عن أعرابى قال: خرجت في بعض ليالى الظلم فإذا أنا بجارية كأنها علم (1) ، فأردتها
عن نفسها فقالت: ويلك أما كان لك زاجر من عقل إذا لم يكن لك ناهٍ من دين ؟
فقلت: إنه والله ما يرانا إلا الكواكب ، فقالت: فأين مكوكبها.
وسئل الجنيد بم يستعان على غض البصر ؟ قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق إلى ما تنظر إليه.
وقال الحارث المحاسبى: المراقبة علم القلب بقرب الرب .
وكان الإمام أحمد ينشد:
إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل خلوت ولكن قل على رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيب
3-ومما يعين على التقوى معرفة ما في سبيل الحرام من المفاسد والألام
فليس في الدنيا والأخرة شر و داء إلا وسببه الذنوب والمعاصى ،
قال ابن القيم رحمه الله: فما الذى أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم
والبهجة والسرور إلى دار الالام والأحزان والمصائب .
وما الذى أخرج أبليس من ملكوت السماء ، وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه فجعلت صورته أقبح صوره وأشنعها ، وباطنه أقبح من صورته وأشنع وبدل بالقرب بعدًا ، وبالرحمة لعنه ، وبالجنة نارًا تلظى ، فهان على الله غاية الهوان ، وسقط من عينه غاية السقوط ، فصار
قودًا لكل فاسق ومجرم ، رضى لنفسه بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة ، فعياذًا بك اللهم
من مخالفة أمرك ، وأرتكاب نهيك .