الصفحة 10 من 21

ولم يذكر العلماء في استفتاء العامي واتباعه لمذهب او قول عالم إلا أنه لا يستفتي إلا من عرف بالعلم والعدالة معا فلا يقلد في دينه الجهلاء، ولا غير العدول أو بعبارة أخرى لا يقلد في دينه إلا من عرف بالصلاح والكفاية، وعليه أن يجتهد في التعرف على الأدلة قدر استطاعته، قال أبو حامد الغزالي:"لا يستفتي العامي إلا من عرفه بالعلم والعدالة" [1] وقد ذكر الزركشي الاتفاق على ذلك"اتفاقهم على أنه يجوز للمقلد أن يقلد من عرف بالعلم والعدالة , وأنه يحرم عليه تقليد من عرف بضد ذلك" [2]

وقد بالغ بعض العلماء في تقليد المذاهب فألزم ان يكون التقليد للمذاهب الأربعة دون غيرها من المذاهب الأخرى ومنع من تقليد مذاهب الصحابة، أو غيرهم ممن لم يشتهروا، ووجهه في ذلك كما قال النووي:"وليس له التمذهب بمذهب أحد من أئمة الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم من الأولين , وإن كانوا أعلم وأعلى درجة ممن بعدهم ; لأنهم لم يتفرغوا لتدوين العلم وضبط أصوله وفروعه , فليس لأحد منهم مذهب مهذب محرر مقرر , وإنما قام بذلك من جاء بعدهم من الأئمة الناحلين لمذاهب الصحابة والتابعين , القائمين بتمهيد أحكام الوقائع قبل وقوعها , الناهضين بإيضاح أصولها وفروعها , كمالك وأبي حنيفة وغيرهما" [3]

ولا يفهم من قول النووي رحمه الله عدم جواز العمل بقول الصحابي في مسألة من المسائل؛ لثبوت كثير من الأدلة في تعديلهم وسبقهم وصواب رأيهم، فقول الصحابي حجة وأصل من أصول الاجتهاد في المذهب الشافعي وغيره مع مراعاة ترتيبه بين الأدلة وضوابط العمل به إنما المقصود في كلام النووي هو جعله مذهبا.

والصواب الذي عليه جمهور العلماء أنه عند القول بجواز التقليد فيجوز له أن يقلد أي مذهب معتبر سواء أكان من المذاهب الأربعة أم من غيرها، ويجب عليه إذا رأى الحق والصواب في غيره أن ينتقل ويدعه.

قال ابن القيم:"ولا يلزم أحدا قط أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره، وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة , لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام , وهم أعلى رتبة وأجل قدرا وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك , وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء , وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة. فيالله العجب , ماتت مذاهب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أئمة الإسلام , وبطلت جملة إلا مذاهب أربعة أنفس فقط من بين سائر الأئمة والفقهاء , وهل قال ذلك أحد من الأئمة أو دعا إليه أو دلت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه؟ والذي أوجبه الله - تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة , لا يختلف الواجب ولا يتبدل , وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة والعجز والزمان والمكان والحال فذلك أيضا تابع لما أوجبه الله ورسوله , ومن صحح للعامي مذهبا قال: هو قد اعتقد أن هذا المذهب الذي انتسب إليه هو الحق , فعليه الوفاء بموجب اعتقاده , وهذا الذي قاله هؤلاء لو صح للزم منه تحريم استفتاء أهل غير المذهب الذي انتسب إليه , وتحريم تمذهبه بمذهب نظير إمامه أو أرجح منه , أو غير ذلك من اللوازم التي يدل فسادها على فساد ملزوماتها , بل يلزم منه أنه إذا رأى نص رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قول خلفائه الأربعة مع غير إمامه أن يترك النص وأقوال الصحابة ويقدم عليها قول من انتسب إليه."

(1) - المستصفى - 373

(2) - البحر المحيط - 6/ 420

(3) - المجموع - 1/ 93

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت