الصفحة 11 من 21

وعلى هذا فله أن يستفتي من شاء من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم , ولا يجب عليه ولا على المفتي أن يتقيد بأحد من الأئمة الأربعة بإجماع الأمة , كما لا يجب على العالم أن يتقيد بحديث أهل بلده أو غيره من البلاد , بل إذا صح الحديث وجب عليه العمل به حجازيا كان أو عراقيا أو شاميا أو مصريا أو يمنيا , وكذلك لا يجب على الإنسان التقيد بقراءة السبعة المشهورين باتفاق المسلمين , بل إذا وافقت القراءة رسم المصحف الإمام وصحت في العربية وصح سندها جازت القراءة بها وصحت الصلاة بها اتفاقا" [1] "

ونخلص مما تقدم أن العامي يجوز له أن يقلد أي مذهب من المذاهب المعتبرة وأن يستفتي من يشاء من العلماء بشرط كون العالم عدلا ويعرف ذلك بالشهرة، وألا يتخير ويتنقل بينها تشهيا وأنه إن ظهر له الحق في غير ما التزم به فعليه أن ينتقل منه لغيره، كما سيأتي في ضوابط الانتقال بين المذاهب.

ومع التسليم بالنتيجة المتقدمة لكن سيطرح سؤال هل يجوز للشخص أن يتمذهب بأي مذهب أو يأخذ بأي قول حتى ولو كان مثلا مذهب الظاهرية، أو مذهب الإمامية سواء تمذهبا كاملا أو في بعض المسائل كأن يقلد الإمامية مثلا في نكاح المتعة، ويقول: أنا فيها إمامي، أو يقلد الظاهرية في جواز مباشرة الرجل امرأته والاستمناء بغير جماع في نهار رمضان على اعتبار أن الظاهرية لا يفسدون الصوم إ لا بجماع الرجل امرأته دون مقدماته ولو أدت إلى الإنزال [2] ، بمعنى آخر هل يعتد بهذه المذاهب وأقوالها؟

للعلماء في هذه المسألة أقوال متعددة، ما بين متشدد ومتساهل ومتوسط، وأنقلها تلخيصا من كلام الزركشي في البحر المحيط إذ عقد فصلا لخلاف ما أسماه المبتدع غير الكافر:"أما إذا اعتقد ما لا يقتضي التكفير , بل التبديع والتضليل , فاختلفوا على مذاهب. أحدها: اعتبار قوله , لكونه من أهل الحل والعقد , وإخباره عن نفسه مقبول إذا كان يعتقد تحريم الكذب , وقال الهندي: إنه الصحيح , وكلام ابن السمعاني كما سنذكره يقتضي أنه مذهب الشافعي ; لنصه على قبول شهادة أهل الهوى. والثاني: أنه لا يعتبر .. هكذا روى أشهب عن مالك , ورواه العباس بن الوليد عن الأوزاعي وأبو سليمان الجوزجاني عن محمد بن الحسن , وذكر أبو ثور في منثوراته أن ذلك قول أئمة أهل الحديث ... والثالث: أن الإجماع لا ينعقد عليه , وينعقد على غيره , أي أنه يجوز له مخالفة من عداه إلى ما أداه إليه اجتهاده ـ وقد استشكل الزركشي هذا القول. والرابع: التفصيل بين الداعية فلا يعتد به , وبين غيره فيعتد به , حكاه ابن حزم في كتاب الإحكام", ونقله عن جماهير سلفهم من المحدثين , وقال: وهو قول فاسد ; لأن المراعى العقيدة" [3] "

وفي مدى الاعتداد بقول الظاهرية، نقل الزركشي جملة أقوال أهل العلم في خلافهم، فمنهم من لم يعتد بخلافهم مطلقا، ومنهم من لم يعتد بخلافهم في مسائل الفروع لإنكارهم القياس واعتد بخلافهم في غير ذلك، والأكثر على أنه يعتد بخلافهم إلا فيما خالف القياس وشذوا به عن جمهور أهل العلم. [4]

(1) - إعلام الموقعين - 4/ 202

(2) - المحلى - 4/ 355 وفيه:"لا ينقض الصوم حجامة ولا احتلام , ولا استمناء , ولا مباشرة الرجل امرأته أو أمته المباحة له فيما دون الفرج , تعمد الإمناء أم لم يمن , أمذى أم لم يمذ ولا قبلة كذلك فيهما"

(3) - البحر المحيط - 6/ 419

(4) - البحر المحيط - 6/ 425

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت