الصفحة 9 من 21

ما بين مكثر ومتوسط ومقل [1] ، ولم يتورع الأئمة الفضلاء من تقليد بعضهم بعضا في المسائل، كما ذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب عن حميد بن أحمد البصري قال: كنت عند أحمد بن حنبل نتذاكر في مسألة. فقال رجل لأحمد: يا أبا عبد الله لا يصح فيه حديث، فقال: إن لم يصح فيه حديث، ففيه قول الشافعي، وحجته أثبت شيء فيه" [2] "

ولعل أبلغ ما يدل على عدم إنكار التمذهب أن جمهرة علماء الأمة ممن نقلوا لنا الشريعة بفروعها وعلومها المختلفة من حديث وتفسير وعقيدة وفقه من المتقدمين والمتأخرين وغيرهم كانوا متمذهبين، ومن تأمل المراجع والمؤلفات المختلفة يقف على ذلك.

ضوابط التقليد الفقهي:

إذا كان القول الراجح هو جواز التقليد للعوام ممن لا يحسنون النظر في أدلة الأحكام الشرعية، فهل على العامي أن يتمذهب بمذهب معين أم له أن يستفتي من يريد من العلماء أو يقلد أي مذهب من المذاهب حتى ولو كانت قد اندثرت، وليس لها أتباع، أو لها أتباع ولكنها مذاهب اعتبرها جمهور أهل السنة من المذاهب البدعية كالإمامية والإباضية والظاهرية ونحوها، وهل له إذا تمذهب بمذهب معين أن ينتقل منه لغيره كلية أو في بعض المسائل، وإذا انفرد كل مذهب برخصة من الرخص فهل له أن يتتبعها ويجمعها، وهل للدولة أن تلزم رعاياها بمذهب معين في العبادات والمعاملات فضلا عن الفتوى والقضاء، وما حكم الإنكار بين متبعي المذاهب في المختلف فيه بينهم؟ تلك أسئلة ملحة يلزم الإجابة عنها لكثرة طرحها.

أولا: هل يتمذهب العامي بمذهب معين أم له أن يتخير ويقلد أي مذهب شاء؟

لا يوجد ما يدل شرعا على الإلزام بمذهب معين كالشافعي مثلا أو الحنفي؛ لأن المذاهب ليست أديانا ومؤسسوها ليسو رسلا موحى إليهم، ولكنهم مجتهدون في الشرع ملتزمون بأصوله وقواعده، وإنما الخلاف في طريقة ومنهج الاجتهاد الذي أثمر خلافا بينهم في مسائل الفروع، وهناك جدل أصولي في مسألة التصويب والتخطئة وهي: هل كل مجتهد مصيب فيتعدد الصواب في المسألة بقدر تعدد المجتهدين فيها فيكون مثلا نقض الوضوء بلمس المرأة هو القول الصواب في المسألة مثله مثل القول بعدم النقض به، لكن المطلوب يكون واحدا من هذين القولين والحق منهما واحد، أم أن الصواب في قول واحد فقط والثاني هو الخطأ لكن ليس بالتعيين، فلا يقال مثلا: أن القول بالنقض هو الخطأ وضده هو الصواب، وفي هذه الحالة يكون المخطيء معذورا ومأجورا؟ والثاني هو قول الجمهور؛ لما قاله الزركشي"لاستحالة أن يكون الشيء الواحد في الزمان الواحد في الشخص الواحد حلالا حراما , ولأن الصحابة تناظروا في المسائل واحتج كل واحد على قوله , وخطأ بعضهم بعضا , وهذا يقتضي أن كل واحد يطلب إصابة الحق." [3]

وقد انتشر علماء المذاهب في الأمصار ونشروا مذاهبهم بالتعليم والتدريس وإقامة الحجج الشرعية على صواب اجتهادهم دون إلزام منهم لأحد بل تنقل كثير من مجتهدي المذاهب ودارسيه ومن يسمون بالأصحاب في المذهب إلى مذهب آخر، ووجد في البلد الواحد منسوبون لأكثر من مذهب بل ربما اختار أحد وجهاء المذهب قولا في مذهب آخر في بعض المسائل على خلاف إمامه لرجحانه لديه، ويظهر ذلك في المغني لابن قدامة، والمجموع للنووي، والفتاوى لابن تيمية.

(1) - إعلام الموقعين - 1/ 13

(2) - تهذيب التهذيب - 9/ 125

(3) - البحر المحيط - 8/ 285

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت