اكتفاء بتقليد الآباء. الثاني: تقليد من لا يعلم المقلد أنه أهل لأن يؤخذ بقوله. الثالث: التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول المقلد , والفرق بين هذا وبين النوع الأول أن الأول قلد قبل تمكنه من العلم والحجة , وهذا قلد بعد ظهور الحجة له ; فهو أولى بالذم ومعصية الله ورسوله [1]
وقد أوجد المحرمون للتقليد مرتبة وسطى بين الاجتهاد والتقليد تخفف من غلواء القول بالحرمة مطلقا لما في إطلاق القول بالحرمة من تشديد على العوام، وهذه المرتبة هي الاتباع. قال ابن القيم نقلا عن ابن خويزمنداد المالكي:"التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائلة عليه , وذلك ممنوع منه في الشريعة , والاتباع: ما ثبت عليه حجة. وقال في موضع آخر من كتابه: كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قبوله بدليل يوجب ذلك فأنت مقلده , والتقليد في دين الله غير صحيح , وكل من أوجب الدليل عليك اتباع قوله فأنت متبعه , والاتباع في الدين مسوغ , والتقليد ممنوع." [2]
ويقول الشوكاني:"وأما ما ذكروه من استبعاد أن يفهم المقصرون نصوص الشرع، وجعلوا ذلك مسوغا للتقليد فليس الأمر كما ذكروه فههنا واسطة بين الاجتهاد والتقليد وهي سؤال الجاهل للعالم عن الشرع فيما يعرض له لا عن رأيه البحت واجتهاده المحض، وعلى هذا كان المقصرين من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومن لم يسعه أهل هذه القرون الثلاثة الذين هم خير قرون هذه الأمة على الإطلاق فلا وسع الله عليه ..." [3]
والتمذهب بهذا المعنى الأخير أمر مألوف في الأمة سلفها وخلفها، ولم ينكره أحد ممن يعتد به فتجد العلماء كل يعمل بالمذهب الذي ارتضاه لنفسه.
وقد كان التقليد معروفًا في زمن الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ولم ينكره أحدُ منهم، فكما نقل ابن حجر في الإصابة عن طاوس رحمه الله أنه قال: رأيت سبعين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا تدارءوا في أمرٍ صاروا إلى قول بن عباس رضي الله عنه. [4] ، فهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم يرجعون إلى تقليد ابن عباس فيما لا يعلمونه من أحكام الشرع.
وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون على مائة ألف، بينما الذين حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكره ابن القيم في الإعلام مائة ونيف وثلاثون نفسا
(1) - إعلام الموقعين عن رب العالمين - موضع سابق.
(2) - الإعلام - موضع سابق، وزاد ابن القيم في النقل، فقال:"وذكر محمد بن حارث في أخبار سحنون بن سعيد عنه قال: كان مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة ومحمد بن إبراهيم بن دينار وغيرهم يختلفون إلى ابن هرمز , فكان إذا سأله مالك وعبد العزيز أجابهما , وإذا سأله ابن دينار وذووه لا يجيبهم , فتعرض له ابن دينار يوما فقال له: يا أبا بكر لم تستحل مني ما لا يحل لك؟ فقال له: يا ابن أخي , وما ذاك؟ قال: يسألك مالك وعبد العزيز فتجيبهما وأسألك أنا وذوي فلا تجيبنا؟ فقال: أوقع ذلك يا ابن أخي في قلبك؟ قال: نعم , قال: إني قد كبرت سني ودق عظمي , وأنا أخاف أن يكون خالطني في عقلي مثل الذي خالطني في بدني , ومالك وعبد العزيز عالمان فقيهان , إذا سمعا مني حقا قبلاه , وإن سمعا خطأ تركاه , وأنت وذووك ما أجبتكم به قبلتموه. قال ابن حارث: هذا والله الدين الكامل , والعقل الراجح , لا كمن يأتي بالهذيان , ويريد أن ينزل قوله من العقاب منزلة القرآن"
(3) - إرشاد الفحول - موضع سابق.
(4) - الإصابة في تمييز الصحابة - 4/ 148)