المتبوعين، ولا إيجاب إلا فيما أوجبه الشرع، والعامي لا يصح له مذهب؛ لأنه ليس من أهل النظر والاستدلال حتى يعرف المذهب الأرجح من غيره. [1]
القول الثالث: لا يلزم العامي تقليد مذهب بعينه، ولكن يجوز له ذلك ويسوغ، وإن تبين له الصواب وترجح أو رجح له في غير ما تمذهب به فعليه اتباعه.
وهو قول كثير من العلماء باختلاف مذاهبهم من الحنفية، والشافعية، والحنابلة واختاره ابن تيمية في حالة ما إذا عجز العامي عن معرفة حكم الله ورسوله وهو قول تلميذه ابن القيم، والمختار عند الزيدية.0 [2]
ووجه عدم الإلزام عند هذا القول: أنه لا إلزام إلا بالشرع، كما قال أصحاب القول الثاني، أما جوازه إذا لم يتيسر للمكلف التعرف على حكم الله ورسوله من الأدلة الشرعية المعتبرة فلما جاء من وجه عند أصحاب القول الأول حيث لا سبيل للمكلف إلا باتباع مذهب.
لكن إن تبين له الصواب في غير ما تمذهب فعليه الانصياع للحق أينما كان، ويحسن بالمكلف أن يتعرف ما استطاع على أدلة مفتيه.
يقول ابن تيمية:"فكل من عدل عن اتباع الكتاب والسنة وطاعة الله ورسوله إلى عادته وعادة أبيه وقومه فهو من أهل الجاهلية المستحقين للوعيد , وكذلك من تبين له في مسألة من المسائل الحق الذي بعث الله به رسوله ثم عدل عنه إلى عادته فهو من أهل الذم والعقاب. وأما من كان عاجزا عن معرفة ما أمر الله به ورسوله, وقد اتبع فيها من هو من أهل العلم والدين ولم يتبين له أن قول غيره أرجح من قوله فهو محمود مثاب , لا يذم على ذلك ولا يعاقب." [3]
ويقول في السياسة الشرعية:"ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة, كان هو الواجب , وإن لم يمكن ذلك لضيق الوقت أو عجز الطالب , أو تكافؤ الأدلة عنده أو غير ذلك , فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه. هذا أقوى الأقوال." [4] وهذا ما يستقيم مع الأدلة المعتبرة الصحيحة.
والحق أن التقليد الذي بالغ أصحاب القول الثاني في دحضه ورده والتشنيع عليه ليس هو التقليد الذي أجازه كثير من العلماء أو أوجبوه.
وقد حرر ابن القيم محل النزاع في ذلك فقال"تفصيل القول في التقليد وانقسامه إلى ما يحرم القول فيه والإفتاء به , وإلى ما يجب المصير إليه , وإلى ما يسوغ من غير إيجاب. أنواع ما يحرم القول به: فأما النوع الأول فهو ثلاثة أنواع: أحدها: الإعراض عما أنزل الله وعدم الالتفات إليه"
(1) - أفاض ابن تيمية وابن القيم والشوكاني في ذكر أدلة تحريم التقليد والتمذهب بمذهب معين والرد على من قال بوجوبه والتقيد بمذهب حتى أوصلها ابن القيم إلى قرابة الثمانين وجها.
(2) - البحر الرائق لابن نجيم - 6/ 292، رد المحتار على الدرالمختار - 1/ 75، البحر المحيط - موضع سابق، الفتاوى الكبرى لابن تيمية - موضع سابق، إعلام الموقعين - موضع سابق، بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية - محمد بن محمد بن مصطفى الخادمي الحنفي - 2/ 82، التاج المذهب - أحمد العنسي - 1/ 10
(3) - الفتاوى الكبرى - 5/ 15
(4) - السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية - تقي الدين ابن تيمية -214 - مكتبة ابن تيمية