وقال المحلي في شرح جمع الجوامع: إنه الأصح، ووجه عند الحنابلة وذكر المرداوي والفتوحي الحنبلي عن صاحب الرعاية: أنه الأشهر. [1]
ووجه هذا القول: -أن الله - سبحانه - جعل في فطر العباد تقليد المتعلمين للأستاذين والمعلمين , ولا تقوم مصالح الخلق , إلا بهذا , وذلك عام في كل علم وصناعة , وقد فاوت الله سبحانه بين قوى الأذهان كما فاوت بين قوى الأبدان , فلا يحسن في حكمته وعدله ورحمته أن يفرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله والجواب عن معارضه في جميع مسائل الدين دقيقها وجليلها ; ولو كان كذلك لتساوت أقدام الخلائق في كونهم علماء , بل جعل سبحانه هذا عالما , وهذا متعلما , وهذا متبعا للعالم مؤتما به , بمنزلة المأموم مع الإمام، والتابع مع المتبوع. كما أنه لو كلف الناس كلهم الاجتهاد وأن يكونوا علماء فضلاء لضاعت مصالح العباد , وتعطلت الصنائع والمتاجر , وكان الناس كلهم علماء مجتهدين , وهذا مما لا سبيل إليه شرعا , والقدر قد منع من وقوعه، فلزم التقليد ولا يمكن ترك المقلد لهواه يتبع أي مذهب شاء وإلا لأفضى إلى أن يلتقط رخص المذاهب متبعا هواه , ويتخير بين التحليل والتحريم والوجوب والجواز. وذلك يؤدي إلى انحلال ربقة التكليف بخلاف العصر الأول , فإنه لم تكن المذاهب الوافية بأحكام الحوادث مهذبة وعرفت , فعلى هذا يلزمه أن يجتهد في اختيار مذهب يقلده على التعيين" [2] "
القول الثاني: يحرم التمذهب بمذهب معين، وإنما على العامي أن يتعلم أحكام دينه، بسؤال أهل العلم الموثوق بهم والذين يردونه إلى حكم الله ورسوله لا إلى آراء الرجال.
وقال به المعتزلة، وأبو عمر بن عبد البر، وابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم واستثنيا حالة العجز والضرورة التى تحول دون التعلم، والشوكاني، وينسب إلى الأئمة الأربعة لما ورد عنهم من النهي عن تقليدهم وهو قول من ينتسبون إلى السلفية في زمننا، وربما بالغ البعض في نقد التمذهب بقوله"نحن رجال وهم رجال". [3]
ووجه هذا القول: ماجاء من نصوص شرعية وآثار وأقوال للسلف الصالح وعن الأئمة المجتهدين أنفسهم تذم التقليد وتعيب على أهله، وأنه لم يرد في الشرع ما يوجب اتباع واحد من الأئمة
(1) - يراجع: مواهب الجليل للحطاب 1/ 30، الفواكه الدواني للنفراوي - 2/ 356، فتح العلي المالك للشيخ عليش - 1/ 60، البحر المحيط للزركشي - 8/ 373 - 374، شرح المحلي على جمع الجوامع - 2/ 433، الفتاوي الفقهية الكبرى لابن حجر الهيتمي - 4/ 305، حاشية البيجرمي على الخطيب - 1/ 65، شرح الكوكب المنير - 619 - 620، الإنصاف - 11/ 194.
(2) - المجموع شرح المهذب للإمام النووي - 1/ 93 ... ويستدل أيضا لهذا القول بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التى تأمر من لا يعلم سؤال من يعلم، وبما ورد عن سؤال الصحابة والتابعين بعضهم لبعض ونزول المستفتى على قول المفتي، وقالوا بأن هذا هو التقليد. يراجع في ذلك: الفصول في الأصول - أبو بكر الجصاص - 4/ 281، إرشاد الفحول - 266، إعلام الموقعين - 4/ 201
(3) - المحلى لابن حزم - 1/ 85، البحر المحيط، إرشاد الفحول، الفتاوى الكبرى، إعلام الموقعين - المواضع السابقة.