وقد منع العلماء على المجتهد مطلقا أو غير مطلق ان يقلد غيره فيما يمكنه أن يجتهد فيه بل يتعين عليه أن يبذل وسعه بنفسه في التعرف على حكم الشرع فيما ينزل به. قال ابن أمير الحاج في شرحه على التحرير:"المجتهد بعد اجتهاده في واقعة أدى اجتهاده فيها إلى حكم ممنوع من التقليد لغيره من المجتهدين فيه أي في حكم الواقعة اتفاقا لوجوب اتباع اجتهاده، والخلاف إنما هو في تقليده لغيره منهم قبله أي اجتهاده في تلك الواقعة، والأكثر من العلماء على أنه ممنوع من تقليد غيره فيها مطلقا منهم: أبو يوسف، ومحمد على ما ذكر أبو بكر الرازي وأبو منصور البغدادي، ومالك على ما في أصول ابن مفلح، وذكر الباجي: أنه قول أكثر المالكية , والأشبه بمذهب مالك والشافعي في الجديد على ما في أصول ابن مفلح، وذكر الروياني: أنه مذهب عامة الشافعية وظاهر نص الشافعي وأحمد وأكثر أصحابه واختاره الرازي والآمدي وابن الحاجب [1] "
ومثل المجتهد من له القدرة على النظر في أدلة الأحكام الشرعية والقدرة على الترجيح بينها وإن لم يصل إلى رتبة الاجتهاد فعليه أن يتبع ما ترجح دليله لديه، ولا يقلد أحدا.
قال ابن تيمية:"وإن كان قادرا على الاستدلال ومعرفة ما هو الراجح ولو في بعض المسائل , فعدل عن ذلك إلى التقليد , فهذا قد اختلف فيه , فمذهب أحمد المنصوص عنه الذي عليه أصحابه أن هذا آثم أيضا , وهذا مذهب الشافعي وأصحابه , وحكي عن محمد بن الحسن وغيره: أنه يجوز له التقليد"وقال المحلي في شرح جمع الجوامع"وقيل: لا يقلد عالم إن لم يكن مجتهدا ; لأن له صلاحية أخذ الحكم من الدليل بخلاف العامي. [2] "
ب - تمذهب العامي الذي لم يصل إلى درجة الاجتهاد، ولا يحسن النظر في الأدلة.
تعريف العامي: غير المؤهل الذي لم يصل إلى رتبة الاجتهاد، ولا يحسن النظر في أدلة الأحكام الشرعية ولا في أقوال المتقدمين، وليس هو الجاهل الأمي.
وعليه فقد يكون العامي ممن له اشتغال بالفقه، أو بعلوم اللغة، أو له اشتغال بطلب الحديث وتعلم أسانيده، وحفظها، ومعرفة الرجال، وغير ذلك، ولكنه لم يبلغ درجة الاجتهاد والنظر في نصوص الشرع، فهو في اصطلاح الفقهاء والأصوليين عاميٌّ، فلا يقبل قوله في الفقهِ، وتخريجِ الأحكامِ. قال الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله في الفتاوى الفقهية الكبرى: والمراد بالعامي في عرف الأصوليين غير المجتهد المطلق، فالمقلدون كلهم عوام عندهم، وإن جلت مراتبهم وفي عرف الفقهاء من يعرف الظاهر من الأحكام الغالبة بين الناس دون الأحكام الخفية ودقائقها والأحكام النادرة." [3] "
وقد اختلف أهل العلم بشأنه على ثلاثة أقوال:
الأول: وجوب تمذهبه بمذهب معين من المذاهب الفقهية المعتبرة يأخذه برخصه وعزائمه. وهو ما قال به جمع من الفقهاء وخاصة المتأخرين، فذكره الحطاب المالكي وادعى أنه قول الجمهور، وكذا النفراوي وذكر أنه الإجماع، وأبو الحسن الكيا من الشافعية، وذكره النووي وجها عندهم،
(1) - التقرير والتحبير 3/ 330
(2) - الفتاوى - 5/ 98، شرح المحلي - 2/ 433
(3) - الفتاوى الفقهية الكبرى - 2/ 250