كثير منهم في انتقالهم من مذهب إلى آخر [1] كل ذلك يدل على أنه لا يوجد ثمت ما يمنع من أن ينتقل المكلف من مذهب إلى مذهب في الفروع كلها أو في بعض المسائل. والمسألة فيها تفصيل بحسب سبب الانتقال والقول المنتقل إليه على الوجه التالي:
أ ـ إن كان الانتقال لأمر دنيوي بحت كأن ينتقل شخص في مسألة ربا البنوك مثلا من قول من يرى حرمتها إلى قول من لا يرى حرمتها لاستفادته المالية من ذلك دون أن يقف على دليل الثاني أو أن يطمئن إليه أو إلى فتواه، فهذا مذموم شرعا ولا يحل.
ب ـ أن ينتقل إلى قول منقوض بأدلة الشرع المعتبرة ولا يسنده أصل، فهذا أيضا مذموم.
ج ـ أن ينتقل إلى قول آخر لقوته وصحة أدلته فهذا محمود شرعا بل واجب عليه. [2]
د ـ أن ينتقل احتياطا لدينه، وخروجا من الخلاف، فإذا كان يعتقد عدم نقض الوضوء بمس الذكر فيجوزله تحوطا أن يتوضأ خروجا من الخلاف، وحتى يكون وضوءه متفقا عليه بين الجميع، والخروج من الخلاف أولى، ولأن يعمل عملا متفقا عليه أولى من أن يعمل عملا مختلفا في صحته.
هـ ـ إذا قلد مذهب الغير لحاجة لحقته أو ضرورة أرهقته، والضرورات تبيح المحظورات فأولى أن تبيح الانتقال إلى مذهب مجتهد آخر يقول بالجواز. [3]
و ـ الانتقال من مذهب لآخر مراعاة لتحقيق مصلحة شرعية معتبرة كحفظ نفس أو تأليف قلب ونحو ذلك، فمن كان حنبليا مثلا وصلى بقوم من الشافعية فله أن يترك مذهبه ويجهر بالبسملة ويقنت بهم في الفجر، والعكس أيضا للشافعي تأليفا للقلوب ومنعا من مفسدة الشجار والشقاق.
وقد ذكر الفقهاء كثيرا من المسائل التي أجازوا فيها ترك ما يراه المرء صوابا في مسألةما لمصلحة راجحة، أو دفع مفسدة، بل عن أئمة الفقه وأصحاب المذاهب المتبوعة قد حدث منهم ذلك فضلا عن تجويزه، ومن أمثلة ذلك ما قاله ابن تيمية:"ويستحب التعوذ أول كل قراءة، ويجهر في الصلاة بالتعوذ وبالبسملة، وبالفاتحة في الجنازة ونحو ذلك أحيانا , فإنه المنصوص عن أحمد تعليما للسنة , ويستحب الجهر بالبسملة للتأليف، كما استحب أحمد ترك القنوت في الوتر تأليفا للمأموم" [4]
وفي مطالب أولي النهى"استحب الإمام أحمد أن يدع أي: يترك الإمام فعل الأفضل عنده أي: في مذهبه تألفا للمأموم كما لو أم جماعة في تراويح , وكانوا لا يرون القنوت في الوتر في النصف الأول من رمضان كالشافعية , فيترك قنوت وتر استعطافا لهم , وقاله أي: قال الشيخ تقي الدين: إنه مستحب , وكذلك لو أم جماعة يرون القنوت في"
(1) - وقع لكثير من الفقهاء المعتبرين أن تركوا مذهبا كانوا عليه إلى مذهب آخر، فالطحاوي الحنفي كان شافعيا في أول الأمر ثم تحنف وهو ابن أخت المزني من أصحاب الشافعي، ومحمد بن الحكم المالكي كان شافعيا، وبعضهم جمع بين مذهبين كابن دقيق العيد قيل عنه إنه مالكي وشافعي.
(2) - يراجع:"البحر المحيط للزركشي - 8/ 375، مواهب الجليل للحطاب - 1/ 32 قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام - 2/ 158، الفتاوى - موضع سابق."
(3) - فتاوى السبكي - تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي -1/ 146 دار المعارف
(4) - الفتاوى الكبرى (5/ 332)