الصفحة 15 من 21

ولدقة هذا المسألة اجتهد كثير من العلماء في وضع ضوابط للانتقال إلى مذهب آخر لخفته وسهولته تمنع من حدوث مفاسد تتبع الرخص التي ذكرها الشاطبي وغيره، وتحقق مقصد التيسير على الناس، وهي:

الأول: أن لا يجتمع من ذلك حقيقة مركبة ممتنعة بالإجماع، وذلك كمن تزوج بلا ولي، ولا شهود لا عند العقد ولا عند الدخول، فهذه الصورة تخالف إجماع المسلمين، وكذا عند حجه لا يطوف طواف القدوم؛ لأنه سنة عند المالكية، ولا يسعى بين الصفا والمروة؛ لأنه سنة في رواية عن أحمد وقول ابن عباس، وأنس، وابن الزبير، وابن مسعود، ويترك المبيت بمزدلفة؛ لأنه سنة في رواية عن أحمد، ويترك المبيت بمنى أيام التشريق؛ لأنه سنة عند الحنفية، ويرمي قبل الزوال في يوم الحادي عشر، لما نقل عن عطاء وغيره جواز ذلك، ولا يطوف طواف الوداع؛ لأنه سنة عند المالكية. فتأمل هذا التخبط في أداء العبادات فإذا ترتب على تتبع الرخص مثل تلك الصور الملفقة فهي باطلة إجماعا.

الثاني: أن لا يعتقد حكم الشيء حلالا أو حراما حسب مصلحته، أو اتباعا لهواه، أو تلاعبا بأحكام الدين. كالحنفي -مثلا - يدعي بشفعة الجوار فيأخذها بمذهب أبي حنيفة ثم تستحق عليه فيريد أن يقلد الشافعي، أو كالمفتي يفتى الغير بقول، ويفتى أقاربه وأصدقاءه أو نفسه بقول آخر، فهذا ممتنع.

قال الشاطبي:"وقد أدى إغفال هذا الأصل ـ منع تتبع الرخص ـ إلى أن صار كثير من مقلدة الفقهاء يفتي قريبه أو صديقه بما لايفتي به غيره من الأقوال اتباعا لغرضه وشهوته أو لغرض ذلك القريب وذلك الصديق، ولقد وجد هذا في الأزمنة السالفة فضلا عن زماننا كما وجد فيه تتبع الرخص اتباعا للغرض والشهوة"

ونقل الشاطبي عن ابن المواز:"لا ينبغي للقاضي أن يجتهد في اختلاف الأقاويل. وقد كره مالك ذلك ولم يجوزه لأحد، وذلك عندي: أن يقضي بقضاء بعض من مضى ثم يقضي في ذلك الوجه بعينه على آخر بخلافه، وهو أيضا من قول من مضى وهو في أمر واحد، ولو جاز ذلك لأحد لم يشأ أن يقضي على هذا بفتيا قوم ويقضى في مثله بعينه على قوم بخلافه بفتيا قوم آخرين إلا فعل، فهذا قد عابه من مضى وكرهه مالك ولم يره صوابا."

وعلق الشاطبي على قول ابن المواز بقوله:"وما قاله صواب فإن القصد من نصب الحكام رفع التشاجر والخصام على وجه لا يلحق فيه أحد الخصمين ضرر مع عدم تطرق التهم للحاكم، وهذا النوع من التخيير في الأقوال مضاد لهذا كله" [1]

وقال ابن تيمية:"وقد نص الإمام أحمد وغيره على أنه ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجبا أو حراما ثم يعتقده غير واجب أو محرم بمجرد هواه" [2]

وقال القرافي:"لا ينبغي إذا كان في المسألة قولان أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تخفيف أن يفتي العامة بالتشديد والخواص من ولاة الأمور بالتخفيف وذلك قريب من الفسوق والخيانة في الدين"

(1) - الموافقات - 4/ 73،74 وقد ذكر الشاطبي جملة من الأمثلة على ذلك.

(2) - الفتاوى - موضع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت