وقال النووي:"صح عن الشافعي - رحمه الله - أنه قال: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا قولي , وروي عنه: إذا صح الحديث خلاف قولي فاعملوا بالحديث واتركوا قولي , أو قال: فهو مذهبي" [1]
ب - التفسيق والتبديع أو التكفير للمخالفين، أو يحكم على المخالف بما هو من لوازم ذلك كعدم الصلاة خلف أصحاب المذاهب الأخرى، أو عدم الزواج من نسائهم وغير ذلك من أوجه التعصب التي وصلت إلى حد الاقتتال بين المذاهب أو تعدد الأئمة والجماعات في المسجد الواحد، بل ربما يمتنع شخص من الصلاة في مسجد لأن إمامه يجهر بالبسملة أو يطيل ثيابه أو نحو ذلك، وهذا ناشيء من عدم الفقه.
ج ـ الهجر والخصومة والبغضاء والسب ونحوه بين أنصار المذاهب المختلفة، ويظهر هذا جليا في كتاب المحلى لابن حزم، وربما انتقلت عدوى ابن حزم إلى الكثير من أنصار المذاهب الأخرى.
د ـ عدم مراعاة خلافهم عند الفتوى، وقاعدة مراعاة الخلاف قاعدة معتبرة قال بها وانتصر لها كثير من الفقهاء المحققين، ووضعوا لها شروطا؛ ولهذا يفرق كثير من العلماء في الفتوى بين السؤال عن مسألة وقعت أو لم تقع فإذا لم تقع أفتى فيها بالمذهب وبالقول المعتبر عنده فإذا وقعت تلمس لها مخرجا لدى عالم آخر وإن خالف مذهبه، ومن ذلك مثلا:
ما ذكره المواق المالكي"البيوع المكروهة التي اختلف أهل العلم في إجازتها إن فاتت لم ترد مراعاة للخلاف. واختار اللخمي أن لا ترد مطلقا" [2] وغالبا ما يحتاج إلى مثل هذه القاعدة في تصحيح الأنكحة المختلف في صحتها بعد وقوعها فمن نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل عند الشافعية وصحيح عند الحنفية فلا يجوز لشافعي أن يقضي بالبطلان بعد وقوعه وإن قال به قبل وقوعه.
ه ـ اعتقاد بطلان المذاهب المخالفة لمذهبه، ولا يمنع هذا اعتقاد مذهبه بأنه الحق إنما الخطأ اعتقاد بطلان المذاهب الأخرى فضلا عن تفسيقها ورميها بالخروج على الشريعة والإسلام وتكفير أصحابها؛ ولذلك فإن التعصب المذهبي إن كان كأثر عن قناعة مطلقة في قضية بأنها الحق، وبالتالي أن يتمسك بها صاحبها قولًا وعملًا، ويدافع عنها بمنطق الحق والعدل، لا بمنطق الهوى، وبمنطق الإخلاص لا بدافع دنيوي، وبروح الأخوة الإسلامية لا بروح الفرقة الكافرة، فذلك لا حرج فيه، بل ذلك الذي عليه الصحابة، ولكن أن يضيِّق الإنسان واسعًا؛ بأن يسفه من ليس على رأيه، ويضللهم، ويجهلهم في قضيةٍ للاجتهاد فيها محل، فذلك الخطأ كل الخطأ، فإن الشافعي قال: أجمع العلماء على أن الله لا يعذب فيما اختلف فيه العلماء.
والتعصب للمذهب كأثر من آثار الثقةِ بعلمائه، وقواعده في الاستنباط، وكأثر من آثار الثقة بهذه الأمة التي أجمعت خلال العصور على احترام المذاهب الأربعة، واحترام أئمتها، هذا التعصب الذي لا يرافقه كراهية لمذهب آخر، ولا سوء أدبٍ معه، بل الاحترام والتقدير، لا حرج فيه، وأن يأخذ الإنسان بوجهة نظر لغير مذهبه كأثر من آثار تحقيقه هو، أو تحقيق من يثق به، فهذا كذلك لا حرج فيه." [3] "
(1) - المجموع - 1/ 104
(2) - التاج والإكليل - 6/ 128
(3) - جولات في الفقهين الكبير والأكبر للشيخ سعيد حوى - 119