والتخويف هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان ولست أقول إن اسم الفقه لم يكن متناولا للفتاوى في الأحكام الظاهرة ولكن كان بطريق العموم والشمول أو بطريق الاستتباع فكان إلاقهم له على علم الآخرة أكثر." [1] وفي البحر المحيط:"قال الحليمي في"المنهاج": إن تخصيص اسم الفقه بهذا الاصطلاح حادث. قال: والحق أن اسم الفقه يعم جميع الشريعة التي من جملتها ما يتوصل به إلى معرفة الله , ووحدانيته , وتقديسه , وسائر صفاته , وإلى معرفة أنبيائه , ورسله عليهم السلام , ومنها علم الأحوال , والأخلاق , والآداب , والقيام بحق العبودية وغير ذلك. قلت: ولهذا صنف أبو حنيفة كتابا في أصول الدين وسماه"الفقه الأكبر" [2]
ومن هذا يتبين أن الفقه قديما كان يشمل علم العقائد إضافة إلى الفروع ثم بعد انتهاء العصور الأولى اتسعت الفتوحات ودخل في دين الله أقوام كثيرون مما استتبع زيادة الأحكام العملية التي تتعلق بتصرفات الأفراد وصلاتهم بالجماعة فاستدعى هذا تفرغا أكثر لهذا النوع من الأحكام فاشتغل به علماء المسلمين وقصروا كلمة فقه عليه وعرفوه بما تقدم. [3]
وبعد أن كثرت الفروع وتعددت وتباينت طرائق الاجتهاد ونشأت المذاهب الفقهية وانتشرت أطلق الفقه على العلم بالأحكام الشرعية العملية سواء أكان طريق معرفتها الاجتهاد بالاستنباط من أدلتها التفصيلية أم كان العلم بها ناشئا عن طريق الأخذ والتفهم لأقوال الفقهاء، حتى اطلق على العارف بالفقه من طريق التقليد لأقوال الفقهاء المجتهدين فقيها.
تقليد المذاهب الفقهية أو التمذهب:
تعريف التقليد: التقليد لغة: مصدر قلد , أي جعل الشيء في عنق غيره مع الإحاطة به. واصطلاحا: قال الغزالي: قبول قول بلا حجة. وقال النووي:"قبول قول من يجوز عليه الإصرار على الخطأ بغير حجة على عين ما قبل قوله فيه"وقال ابن أمير الحاج: العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج الأربع الشرعية بلا حجة منها"وقال الفتوحي الحنبلي: والتقليد عرفا أي: في عرف الأصوليين:"أخذ مذهب الغير من غير معرفة دليله"ويخرج من التقليد العمل بقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم -، والعمل بالإجماع، ورجوع العامي إلى قول المفتي، ورجوع القاضي إلى شهادة الشاهد، وقبول رواية الرواة وذلك لقيام الحجة الشرعية على كل ما تقدم. [4] "
ويقابل التقليد الاجتهاد، والمقصود به في اللغة: بذل الوسع والطاقة في طلب أمر ليبلغ مجهوده ويصل إلى نهايته. ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى اللغوي. أما الأصوليون فمن أدق ما عرفوه به أنه: بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي ظني , فلا اجتهاد فيما علم من الدين بالضرورة , كوجوب الصلوات , وكونها خمسا. ومن هذا يعلم أن معرفة الحكم الشرعي من دليله القطعي لا تسمى اجتهادا. وله شروطه وضوابطه.
(1) - إحياء علوم الدين - 1/ 47، 48 المكتبة العصرية بيروت
(2) - البحر المحيط للزركشي - 1/ 37
(3) - مناهج الاجتهاد في الإسلام - د. محمد سلام مدكور - 22 - مطبوعات جامعة الكويت.
(4) - المصباح المنير - 512، المستصفى - 370، المجموع شرح المهذب - الإمام النووي - 1/ 91 مطبعة المنيرية. التقرير والتحبير - 3/ 340، شرح الكوكب المنير - تقي الدين أبو البقاء الفتوحي - 616 مطبعة السنة المحمدية، البحر المحيط للزركشي - 8/ 326، إرشاد الفحول للشوكاني - 265ط الحلبي 1937م.