-النية المشروعة لا تسعف صاحبها إن كان من شأن الفعل أن يؤدي إلى محظور:
لا يُظنَنَّ أن النية المشروعة للعاقدين أو أحدهما في فعلٍ أو عقدٍ يؤدي إلى ممنوع تجعل العقد حلالًا؛ فليس في وسع المموِّل في عقد عينة مثلًا أن يدعي أنه ينوي سدَّ حاجة العاقد الآخر المحتاج للتمويل، لا الوصول إلى الربا، فيصير بذلك عقده حلالًا! وليس في وسع صاحب عنب مثلًا أن يبيع عنبه لعاصر خمر ولا ينوي الإعانة على المعصية، بل مجرد البيع والتجارة، فيكون بذلك بيعه حلالًا! بل العبرة بما يؤدي إليه العقد بصرف النظر عن نية صاحبه إن كان من شأن ذلك العقد أن يؤدي إلى ممنوع؛ فالشافعية مثلًا، وهم من جعل القصدَ عاملًا في تحليل العقد وتحريمه، لا في الحكم بصحته، قالوا: إن بيع العنب لمن يعصر الخمر حرام دون اعتبار لنية البائع من هذا البيع، وذلك لإفضاء هذا البيع إلى المعصية. [1] ومصداق هذا الأحاديثُ التي تجعل شارب الخمر وبائعها وآكل ثمنها وحاملها وعاصرها سواءً في اللعنة، وذلك حاصلٌ لكونهم أعوانًا على معصية. فأنى إذًا لنية غير إفساد أن تسعف صاحبها إذا كان فعله مؤديًا إلى محض مفسدة ومعصية! [2]
(1) انظر إعانة الطالبين للدمياطي، (دار الفكر، بيروت) : 3/ 23.
(2) ينبغي التعليق هنا على أقوال لبعض الحنفية في أمر الحل والحرمة فيما يؤدي إلى المفاسد من الأفعال، ذلك أن منهم من قال في مسألة بيع العنب لعاصر الخمر:"إن باعه ناويًا التجارة، لم يحرم عمله؛ وإن إعانة العاصر، حرم". تكملة فتح القدير لقاضي زادة، (مطبوع مع"فتح القدير للعاجز الفقير"، كمال الدين محمد بن عبد الواحد(ابن الهمام) ، دار إحياء التراث العربي، بيروت): 8/ 493. ومنهم من قال في زواج المحلل:"وأما إذا أضمرا ذلك_ أي غرض التحليل _ لا يكره، وكان الرجل مأجورًا لقصد الإصلاح". الدر المختار للحصكفي مع حاشية ابن عابدين:5/ 48. وقولهُم في مسألة المحلل معقول المعنى إذا كان المحلل قاصدًا فعلًا إصلاح حال الأسرة؛ أما ما قاله قاضي زاده في بيع العنب لعاصب الخمر، فهو ما يستغرب، ذلك أن عمل بائع العنب مؤد حقيقةً إلى إعانةٍ على معصية، فما تفعل النية إزاء هذه النتيجة!!
لقد حُكم على العقد بالصحة لضرورة إجراء الأمر على الظاهر في عقد لم ينص فيه على شرط مبطل أو غرض محرم، أما أمر حلّه وحرمته، فمرتبط بما وراء ذلك الظاهر، وأساسه النية، لكن النية لا يمكن أن تقوم أساسًا للحل أو الحرمة في فعل إن كان هذا الفعل مؤديًا إلى منكر ومعصية، لأن الإنسان منهي في كل حال عن ذلك، فما تفعل نية من يشرب الخمر وينوي التقوّي على الطاعة!!
لقد قال الشافعية أيضًا كالحنفية بصحة بيع من باع عنبًا لعاصر خمر، ذلك أن أصلهما واحد في تصحيح العقود، لكنهم، في أصح القولين في المذهب، قالوا بالتحريم دون اعتبار لنية البائع، انظر إعانة الطالبين للدمياطي 3/ 23.