المذهب الأول: تصحيح العقود بظواهرها، وعدم اعتبار المقاصد المحتملة للعاقدين من العقد وإن وجد ما يدل عليها من قرائن ودلالات. فعلى هذا، لا يفسد العقد بالقصد الحرام، لأنه إنّما يُعتبر الظاهر في تصحيح العقود، إلا إنْ صُرِّح بهذا القصد في العقد، إذ يفسد العقد حينئذ لخروجه عمّا هو له صراحةً، ومناقضته لمقتضى العقد وغرضه. أمّا إن كان ذلك التصريح سابقًا للعقد، فالعقد صحيح، لعدم ارتباطه بصيغة العقد.
المذهب الثاني: الحكم بصحة العقود أو بفسادها بحسب قصد العاقدين، أي باعتبار ما يدل على هذا القصد من قرائن وأمارات؛ فإن دلت القرائن على أن قصد العاقدين أو أحدهما التوصل إلى غرض ممنوع، حكم بفساد العقد وعدم ترتب آثاره؛ وإلا، بأن لم يوجد ما يدل على ذلك، حكم بصحة العقد وترتبِ آثاره عليه.
ذهب إلى الرأي الأول الحنفيةُ والشافعية [1] ، ووافقهم الظاهرية، وإلى الثاني المالكيةُ والحنابلة. [2]
(1) قد يظن بأن موقف الحنفيّة والشافعية هذا تجاه العقود يعارض القاعدة التي نصوا عليها من أن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني. وليس في ذلك معارضة، لأن مرادهم من تلك القاعدة أن العبرة في تكييف العقود بالمدلول الذي يُفهم من العبارات التي أنشئ بها العقد، لا بظاهر اللفظ ذاته، وليس مرادهم باعث العاقد ونيّته، أي إنهم يرتِّبون نوع العقد على مدلول اللفظ الذي أنشئ به العقد لا على ظاهره، فلو قال العاقد مثلًا: وهبتك هذا الكتاب بمائة. فقال الآخر: قبلت. فقد قال الحنفيّة مثلًا بأن العقد هنا عقد بيع لا عقد هبة؛ مع أن الإيجاب صريح بلفظ الهبة لا البيع، فمع ذلك حكم على هذا العقد بأنه بيع، لأنّ كُلًا من الهبة والبيع يفيد التملك، وفارَقَ الثاني الأوّل بأنه بعوض؛ فلمّا ذكر الثمن، دلَّ ذلك على أن مقصود العاقد البيع لا الهبة فكان بيعًا. انظر الأشباه والنظائر لابن نجيم، (دار الفكر ط1/ 1983م) :ص242؛ الأشباه والنظائر للسيوطي، (دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1403هـ) : ص 166.
(2) انظر حاشية ابن عابدين، (دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 2، 1407هـ/1987م) : 5/ 48؛ حاشية الدسوقي، (دار إحياء الكتب العربية - عيسى البابي الحلبي) :3/ 76؛ الفروق للقرافي، (دار المعرفة، بيروت) : 3/ 268؛ تهذيب الفروق للشيخ محمد علي (مطبوع مع الفروق - دار المعرفة، بيروت) : 3/ 275؛ القوانين الفقهية لابن جزي، (دار الكتب العلمية، بيروت) : ص 140؛ ا الشرح الصغير للدردير، (مطبوع مع كتاب بلغة السالك للصاوي - دار الكتب العلمية، بيروت ط1/ 1995م) : 3/ 69؛ الأم للإمام الشافعي، باب لا وصيّة لوارث، (دار المعرفة، بيروت، تحقيق محمد زهري النجار، ط 2، 1393هـ) : 4/ 114؛ وانظر في الأم أيضًا كتاب إبطال الاستحسان للشافعي، (مطبوع مع كتاب الأم للإمام الشافعي، دار المعرفة، بيروت، تحقيق محمد زهري النجار، ط 2، 1393هـ) : 7/ 297؛ إعلام الموقعين لابن القيم، (دار الجيل، بيروت، 1973م) : 3/ 109 - 121؛ المحلّى لابن حزم، (دار الآفاق الجديدة، بيروت) : 10/ 180.