الخلاف السابق في تقرير صحة العقود أو فسادها باعتبار ظاهر العقد أو نية العاقدين وغرضهم من العقد لا يتضمن بشكل من الأشكال قضية الحكم الدياني على العقد؛ بل إن الحديث المشهور الذي هو من أعمدة الدين"إنما الأعمال بالنيات ..."لهو الحكَم والأساس هنا في الحكم على التصرفات والعقود بالحل أو الحرمة. ولولا وعورة مسلك التنقيب عن النيات، وما يؤدي إليه إعمالها في الحكم بصحة العقود من اضطراب في العقود والمعاملات، لكانت الحكَمَ والفيصل أيضًا في قضية تصحيح العقود وترتب آثارها كما هي الحكَم والفيصل في صحة العبادات وفسادها، كمن يمسك عن المفطرات عرَضًا عن غير نية صيام، لا يحكم بوقوع الصوم الشرعي منه.
وعليه، فإن من الخطأ الفادح أن يفهم القولُ بحل كل ما قيل بتصحيحه من العقود، أو أن ينسب ذلك إلى من قال بتصحيح العقود اعتبارًا بظواهرها من حنفية وشافعية؛ بل معيار حل كل عقد هو نية العاقد فيه وغرضه من العقد.
يقول الإمام الشافعي:"الأحكام على الظاهر، والله وليّ الغيب، من حكم على الناس بالإزكان، [1] جعل لنفسه ما حظر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، لأن الله عزَّ وجل إنّما يتولّى الثواب والعقاب على المغيَّب، لأنه لا يعلمه إلا هو جل ثناؤه. وكلّف العباد أن يأخذوا من العباد بالظاهر، ولو كان لأحد أن يأخذ بباطنٍ عليه دلالة، كان ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم". [2]
(1) الإزكان: التفرّس والظن. انظر لسان العرب، ابن منظور، (بيروت: دار إحياء التراث، ط3) ، مادة: زكن.
(2) الأم للإمام الشافعي: 4/ 114. باب لا وصيّة لوارث. وقد أورد الإمام الشافعي أدلة كثيرة لمذهبه هذا ذكرها في هذا الموضع.