الصفحة 7 من 33

ويشير الغزالي، وهو شافعي أيضًا، إلى أن الحكم بتحريم شيء أمرٌ آخر غير الحكم بالصحّة أوالبطلان فيه. [1]

والخلاصة أن الشافعية ومثلهم الحنفية يقولون: نحن نحكم على العقد صحةً وفسادًا باعتبار ظاهره، ونقول فيما وراء ذلك: إن كانت القصد من العقد بلوغ الممنوع فالعقد حرام؛ وإن كان القصد بلوغ ما هو مشروع، فالعقد حلال.

ومن تطبيقات التفريق بين الصحة والفساد من جانب، والحل والحرمة من جانب آخر، بيعُ العينة (شراء شيء ثم إعادة بيعه إلى ذات الشخص) الذي صححه الشافعية بإطلاق، والحنفية عند توسط شخص ثالث [2] ، فتصحيحهم له لا يمكن أن يفهم منه حلُّ هذا العقد عندهم، بل الحل أمر مرتبط بغرض العاقدين من هذا العقد؛ فإن كانت حقيقةَ البيع والشراء بأن وقع التوالي في البيعين عرَضًا، فالحكم الحل؛ وإن كان الغرض التوصل إلى مضمون القرض بالربا، فحكمه الحرمة، إعمالًا للحديث الشريف"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ..". ومثال آخر عقد الزواج؛ فإن كان الغرض من العقد استدامة عقد الزواج

(1) المستصفى للغزالي، (دار الأرقم، بيروت) : 2/ 36.

(2) إبطال الحنفية لبيع العينة عند عدم توسط ثالث لا يناقض مبدأهم في تصحيح العقود أخذًا بظاهرها وعدم اعتبار مقاصدها، وإنما استثنوا من مبدئهم هذا تلك الصورة من بيع العينة التي يكون فيها البائع أولًا هو المشتري ثانيًا، فحكموا عليها بالفساد لورود النص في ذلك، أي استدلالًا بحديث السيدة عائشة مع زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنهما، حيث فيه أن البائع أولًا هو المشتري ثانيًا، وقالوا بأن مثل هذا الوعيد الصادر عن عائشة في منع هذا البيع لا يوقف عليه بالرأي. وقد اعتبروا الحكم في هذه الحالة معدولًا به عن القياس، فأبقوا ما وراءه على أصل القياس من تصحيح العقود اعتبارًا بظاهرها، وفسّروا حالة المنع بأن الثمن الثاني يصير قصاصًا بالثمن الأول، فيبقى عن الثمن الأول زيادة لا يقابلها عوض في عقد المعاوضة، وهو عين الربا. انظر بدائع الصنائع، الكاساني، (دار الكتاب العربي، بيروت، ط 2، 1982م) : 5/ 198 - 199.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت