فهرس الكتاب
لقد واجه كل أصحاب الرسالات السماوية مشكلة عناد الناس وصدودهم عن نداءات الحق. ومع ذلك لم ينعزلوا عن الساحة، ولم يتخلوا عن دعواتهم الالهية. وقد حدثنا القرآن الكريم عن تلك التجارب المريرة التي خاضها الرسل والانبياء عليهم السلام.
فالنبي نوح عليه السلام واجه صدودًا متشددًا من قبل قومه، رغم طول الفترة التي قضاها معهم في تبليغ رسالته، مستخدمًا أساليب عديدة في دعوته. لكن ذلك لم يغير من موقفهم العنيد. يحدثنا القرآن عن معاناة النبي نوح عليه السلام كما جاء على لسانه:
(قال رب إني دعوتُ قومي ليلا ونهارًا. فلم يزدهم دعائي إلا فرارًا * وإني كلما دعوتُهُم لتغفّر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابَهُم وأصرّوا واستكبروا استكبارًا * ثُمّ إني دعوتُهم جهارًا. ثُمّ إني أعلنت لهم وأسررتُ هلم إسرارًا) (1) .
ويتضح من هذه الآيات الكريمة ان نوح عليه السلام لم يتخذ موقفًا منعزلا عن قومه، بل انه جرب معهم كل الاساليب الممكنة في دعوتهم إلى الايمان بالله وبرسالته. ولم يكن عناد قومه قائمًا على أسس موضوعية فهم لم يرفضوا دعوته لأنهم يمتلكون فكرًا مقابلا لفكرته، انما كان موقفهم صادرًا من عقلية متصلبة جامدة لا تريد الدخول في حوار فكري وترفض الاستماع إلى أقواله لأنهم لايملكون رغبة النقاش والمناظرة.
ورغم ادراكه عليه السلام ان جهوده لم تعد تسفر عن تغيير قومه، إلا أنه مضى في رسالته، حتى أوحى الله تعالى اليه لن يؤمن من قومك إلا من آمن وحينذاك أخذ نوح عليه السلام يدعو عليهم بالفناء. ولم يكن دعاؤه محاولة للانتقام والثأر لنفسه، بل انه وجد في بقاء الكافرين ما يعيق الرسالة، ويؤثر على القلة المؤمنة، لا سيما وان محاولات التغيير استنفذت اغراضها ولم يعد بالمكان اضافة أي أحد الى الصف المؤمن.