الصفحة 64 من 73

لقد جرب نوح عليه السلام كل الوسائل، حتى بلغ الأمر أنهم قاطعوا دعوته، فكانوا يصمون آذانهم ويغشون وجوههم لكي لا يستمعوا إلى ما يقول. وهي ممارسة من شأنها ان تترك أثرًا سلبيًا عميقًا في نفس الداعية، وقد تجعله يصاب بردة فعل عنيفة تجاه مجتمعه. إلا أن النبي نوح عليه السلام ليس من هذا الطراز، انه صاحب رسالة يدرك ان مسؤوليته أكبر من الانفعالات والمشاعر والضغوط النفسية، فمضى في دعوته إلى آخر الطريق، وكانت الثلة القليلة التي آمنت به هي حصيلة

(1) سورة نوح: 5 ـ 9.

دعوته الطويلة والتي تعتبر أطول دعوة من حيث الزمن عاشها صاحب رسالة مع قومه.

وفي قصة النبي هود عليه السلام مع قومه عاد، يحدثنا القرآن الكريم في مواضع عديدة عن تجربته. فلقد كان لقومه مدنية راقية تتوفر فيها أسباب القوة والراحة، فبعث الله تعالى اليهم هودًا ليرشدهم الى طريق التوحيد ونبذ عبادة الاوثان لكنهم رفضوا دعوته واصروا على وثنيتهم.

(والى عاد أخاهم هودًا قال يا قوم اعبدوا الله مالكُم من إله غيرُهُ إن أنتهم إلا مُفترون * يا قوم لا اسئلكم عليه أجرًا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون) (1) .

وقد واجهه قومه بالتهم والاهانات فرموه بالسفه والجنون. لكنه استمر في دعوته، ولم يؤمن به سوى القليل ووصل عناد قومه وتحديهم لدعوته انهم ألحو عليه ان ينزّل عليهم العذاب الذي كان ينذرهم به. فكان جوابه عليه السلام:

(قال إنما العلمُ عند الله وأبلغكُم ما أرسلتُ به ولكني أراكُم قومًا تجهلون * فما رأوهُ عارضًا مُستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض مُمطرنا بل هو ما استعجلتُم به ريحٌ فيها عذابٌ أليم) (2) .

وواضح من جوابه انه لم يتصرف برد فعل على تحديهم، انما ترك الأمر لله تعالى ليفعل بهم ما يشاء. اما هو فقد كان ماضيًا على نهجه في الحفاظ على استمرارية الدعوة رغم ما يواجهه من تكذيب وعناد واصرار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت