فهرس الكتاب
ثم يحدثنا القرآن الكريم في مواضع عديدة عن تجربة نبي الله موسى عليه السلام، ومعاناته الكبيرة طوال فترة رسالته، فقد كانت له معاناة طويلة مع فرعون وجماعته حتى نجاه الله تعالى مع بني اسرائيل من ظلم فرعون في خوضهم البحر وهلاك فرعون. لكن موسى عليه السلام وجد في قومه انحرافات خطيرة عن خط الرسالة ومنهجها التوحيدي الذي استغرق الكثير من جهوده. فبعد نجاتهم من فرعون، مرّوا بجماعة يعبدون الاصنام فطلبوا منه ان يجعل لهم آلهة كما لهم آلهة.
ثم حدث بعد ذلك في قصة الميقات انحراف آخر، فبعد ان تركهم موسى عليه السلام لمناجاة الله تعالى عند جبل الطور، وخلال غيبته صنع السامري لقومه عجلا من الحلي له خوار، وقال لهم هذا إلهكم وإله موسى فصدقه بنو اسرائيل.
ورغم ذلك فان موسى عليه السلام لم يتخل عن رسالته ومضى يصحح الانحراف ويعالج الخلل فيهم لكنهم عادوا إلى انحرافهم وإلى خروجهم عن طاعته وذلك حين طلب منهم ان يستعدوا لتحرير الارض المقدسة من الكفر والشرك. إلا أن دعوته هذه قوبلت بالامتناع.
كانت تجربة موسى من التجارب القاسية في تاريخ الرسالات، حيث واجه عليه السلام التراجعات المتلاحقة من قبل قومه الذين آمنوا به. فقد كانوا يمارسون الانحراف على مستوى الفكرة والموقف، لكنه لم يتراجع عن دعوته وظل ماضيًا في نهجه التغييري حتى النهاية.
وحدثت مثل هذه التجارب القاسية مع كل الانبياء والرسل والتي تحدث عنها القرآن الكريم مبينًا ما كان يعانيه أصحاب الدعوات السماوية من ضغوط نفسية واجتماعية وسياسية. لكنهم كانوا رغم كل شيء يواجهون الرفض والعناد والتصلب بروح عالية تستوعب الموقف المضاد وتحاول ان تعالج الانحراف وتهدي الضالين. كانوا يسيرون في طريق الدعوة إلى آخر شوط فيه، ولم يصب أي منهم باليأس أو التراجع.