فهرس الكتاب
ونجد في التجربة النبوية الكثير من المضامين الرسالية العالية والدروس الحركية الكبيرة حول علاقة صاحب الرسالة بأمته، واخلاصه لأمته ورسالته معًا. فلقد تعرض الرسول (ص) إلى شتى صور الارهاب الفكري والنفسي والجسدي، ومع ذلك لم يتراجع عن رسالته، ولم يتخل عن موقعه التغييري، بل انه لم يتخذ موقفًا نفسيًا معاديًا لقومه، حيث ظل ينظر اليهم نظرة العطف والاشفاق، رغم انهم كذبوه وآذوه وحاربوه. كان (ص) يشفق عليهم من كفرهم واصرارهم على الباطل.
وكان الرسول (ص) يعاني من مواقف المشركين، لكن معاناته لا تنعكس على مواقفه، انه يعيش المعاناة في داخله كشعور نفسي خاص لا يتجاوز اطاره الشخصي كما يحدثنا القرآن الكريم:
(ولقد نعلمُ أنك يضيقُ صدرك بما يقولون * فسبح بحمد ربك وكُنْ من الساجدين) (1) .
وكان (ص) يعيش حالات حزن مؤلمة ما يراه من عناد قومه وتكذيبهم لدعوته، فيخفف عنه الله تعالى مشاعر الحزن والألم بقوله عز وجل:
(فلا تأس على القوم الكافرين) (2) .
(فلعلك باخعٌ نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفًا) (3)
(فلا تذهب نفسُك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون) (4)
وهكذا فان القرآن الكريم يؤكد على ضرورة المضي في طريق الرسالة، وعدم
(1) سورة الحجر: 97 ـ 98.
(2) سورة المائدة: 68.
(3) سورة الكهف: 6.
(4) سورة فاطر: 8.
فسح المجال امام المشاعر النفسية لأن تسيطر على المهمة الرسالية. فالانفعال النفسي هو مما يعيق الدور الرسالي لأنه سيفرز حالة من التراجع أو التراخي فيضعف الاندفاع في نشر الدعوة.
ويبين القرآن الكريم فيما يتعلق بتجربة الرسول (ص) ، ان المواقف المتصلبة من قبل الكافرين ازاء الرسالة الالهية، ليست هي بالشأن الشخصي الذي يرتبط بين الناس والداعية، انما هي قضية رسالية كبيرة ترتبط بموقف الضالين من الله تعالى. يقول عزّ وجل: