ومِن هُنا فالحجُّ مهم لأن له آثار عظيمة سواء في التّخفف من الذُّنوبِ أو فِي تصفية النُّفُوس مِن طَاعَةِ الشَّياطين والْهَوَى إلى طَاعَةِ رَبِّ الْعِزَةِ والْجَلالِ، أو في اسْتِشْعَارِ الْمَعانِي الشَّرعيَّة من التَّعاون على البِرِّ والتَّقْوَى مِن حُسْنِ الْخُلُقِ والتَّعَامُل مع الْخَلْقِ مِن إِطَابَةِ الْقَوْلِ مَعَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ مِن الإكثار مِن ذِكرِ اللَّهِ ـ جَلَّ وَعَلا ـ: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [سورة البقرة، الآية: 200] ، الحَجّ فيه تعليق للقُلوبِ فِي الآخرةِ كَيف تعلقت الْقُلُوب بالآخرةِ، لأنَّهُ فِي الْحَجِّ يدع الدُّنيا كُلّها ويتوجه إلى ربِّ الْعِزَّةِ وَالْجَلالِ يدع العلائق مَعَ كافةِ الْخَلائقِ للاتصال بِربِّ السَّمَاوَاتِ والأرَاضين.
ومن هنا فالحجّ مدرسة عظيمة لتربية النُّفوس فلا بُدَّ من استشعار هذه المعاني ومن أوئل ما نحقق به هذه الفوائد العظيمة في الْحَجِّ أن نَفْعَل مُقَدِّمَات الْحَجِّ، من مثل ماذا؟
أوَّل ذلك تدريب النُّفُوس على إخلاصِ النِّيَةِ لِلَّهِ فِي جَمِيعِ الأَعْمَالِ، ومِن ذلك تقديم عَمَل صَالِح قبل الْحَجِّ مِن صَدَقَةٍ وَبرٍّ وصِلةٍ ونحو ذلك، لأن من علامة قَبُولِ الْعَمَل الصَّالِح تتابع الأعمال الصالحة، لأنَّ اللَّهَ يقبل مِن الْمُتقينَ.
ومن ذلك أيضًا أن ندرس أحكام الحجِّ قبل أن نفد إلى تلك المواطن العظيمة، ماذا نفعل؟ ما هي الأمور المشروعة لنا لنفعلها في مِنَى، في مكة، في عرفة، في مزدلفة. كيف نفعل في الميقات؟ ونحو ذلك من الأحكام الشرعية، لتكون بذلك قد عَرَفْتَ أحْكَامَ اللَّهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ فَكُنْتَ ممن دَخَلَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» ، وبذلك أيضًا تكون ممن يَتَمكَّن مِن اسْتحضارِ النِّية في أعمالِه في المشاعر، لأنَّك عندما تَعرِف أحكام أفعالك في الْمَشاعِر تتمكَّن مِن التَّقرب للَّهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ بها تعرف أن هذا واجبٌ فتتقرب إلى اللَّهِ به، تعرف أن هذا مستحب فتتقرب إلى اللَّهِ به.
أمَّا إذا لم تعرف الأحكام الشَّرعيَّة فكيف تتقرب إلى اللَّهِ بما لا تعرف أنه قربة وعبادة؟! وبذلك يتمكن الإنسان من ضبط وقته لِيَكُوْن وَقْتُهُ كُلُّهُ في تلك المشاعر منشغلًا بِطَاعَةِ اللَّهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ وعِبَادَتِهِ سُبْحَانَهُ.
ومما يقدم بين يدي الحجِّ؛ التَّخلص من الذُّنوب والمعاصي، لأنَّه من طبيعةِ الْبَشَرِ أن يكون عندهم معصية، ما من أحد منا إلا وعنده ذُنُوب ومعاصي، لكن من فضل اللَّهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ أن فَتَحَ بَابَ التَّوْبَةِ لنا، يقول النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» .
ما أعظم رحمة ربِّكَ يعرض التَّوبَة عليكَ ولا يؤاخذك بها إذا تبت إلى اللَّهِ ـ جَلَّ وَعَلا ـ، قَالَ ـ جَلَّ وَعَلا ـ: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [سورة طه، الآية: 82] ،، ويقول النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَابَ، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» ، بل هناك ميزة للتائبين؛ ألا وهي أن اللَّهَ يحبّ أؤلئكَ الَّذينَ يكثرون من التَّوْبَةِ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} [سورة البقرة، الآية: 222] ، بل هناك ميزة أخرى أن اللَّه ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ يقلب تلك السّيئات التي عملها العبد لتكون في ميزان