حسناته كَما قالَ ـ جَلَّ وَعَلا ـ: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [سورة الفرقان، الآية: 70] .
ومِن هُنا لا بُدَّ أن نستجيب للأمر الإلهي الذي أمرنا بالتَّوْبَةِ، قَالَ ـ جَلَّ وَعَلا ـ: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة النور، الآية: 31] ، فَأهل التَّوْبَةِ هُم أهل الْفَلاحِ دُنيا وآخِرَة.
إذا تقرر هَذا مَا هي التَّوْبَة التي أَمَرَ اللَّهُ بها، وكيف نفعلها، وكيف نتحقق من وجودها؟
التوبة مركبة من عدد من الأركان:
أوّلها تركك الذنوب التي تريد التوبة منها، كيف تقول أنك تبت إلى اللَّهِ وأنت لا زلت مستمرًّا على معصيتك وذنبك، فلا بد من الإقلاع عن الذَّنبِ لأن من لم يقلع عن الذنب، فهو لم يرجع إلى اللَّهِ لا زال مستمرًّا في طريق الغواية، قَالَ ـ جَلَّ وَعَلا ـ: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوَانُهُمْ ـ إخوان الشياطين ـ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ـ يجعلون يستمرون في غيهم ومعاصيهم ـ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} [سورة الأعراف، الآيتان: 201 ـ 202] ، بل إن اللَّهَ ـ جَلَّ وَعَلا ـ جعل تلك الدَّار الجنة لأَصْحَابِ التَّوْبَةِ، قَالَ ـ جَلَّ وَعَلا ـ:
{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ـ يعني كبيرة ـ أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [سورة آل عمران، الآيتان: 135، 136] .
إذًا هَذا هو الرُّكن الأوَّل مِن أركان التَّوبةِ؛ وهو الإقلاع عَن الذَّنبِ.
الرُّكن الثَّاني أن يوجد عندك عزيمة جازمة بأن لا تعود إلى الذَّنبِ مرة أخرى، لأنك إذا تركت الذَّنب لمدة محدودة وفي نيتك أن تعود إليه، فأنت حينئذ لم تقلع عن الذَّنب لا زال قلبك متعلق بالمعصية.
ومن أمثلة هؤلاء من يقلع عن الذنب في المواسم؛ موسم الحَجِّ أو موسم رمضانَ، وفي نيته أن يعود إلى الذَّنبِ بعده؛ هذا لم يتب إلى اللَّهِ، لأنَّهُ لم يوجد عنده عزم جازم بترك ذلك الذنب في المستقبل.
والأمر الثَّالِث النَّدَمُ على ما فعله من المعصية سابقًا، فمن لم يندم ولا زال مفتخرًا بفعله للمعصية؛ هذا لم يتب إلى اللَّهِ، لأن قلبه لم يستشعر خطورة ذلك الذنب.
وأمر آخر أن تَكُون هذه التوبة للَّهِ خوفًا مِن عِقَابِ اللَّهِ ورَجاءً في ثَوابِ اللَّهِ، نُريدُ الْجَنَّة ونَخَاف مِن النَّارِ.
بعض النَّاسِ يترك المعصية خَوفًا على صِحَّتِهِ لمجرد الصِّحَّة هذا ليس له أجر وليست هذه توبة.
لا بُدَّ بالتَّوبة أن تكون للَّهِ، لكن لو ترك ذلك الضَّار ببدنه ليستمر بدنه قويًّا على الطَّاعةِ كان مَأجورًا، وكانت توبة صحيحة.