فهرس الكتاب
نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [1] وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا} [2] وقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [3] فرتب الله تبارك وتعالى في هذه الآيات الكريمات الثواب الجزيل على الإصلاح والتآلف بين المؤمنين وجعل ذلك من أفضل الخصال المنجية يوم الدين ونبه سبحانه على أن الاعتصام بحبله والاجتماع على طاعته فيه العز والشرف في الدنيا والآخرة وأن الاختلاف يورث الفشل والجبن وذهاب القوة والوحدة وما كانوا فيه من
الإقبال والتقدم.
وأما الأحاديث الورادة في فضل الإصلاح بين الناس والنهي عن التهاجر فكثيرة جدًا ولنذكر منها ما تيسر فيمنها ما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (كل سلامي من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة وتعين الرجل في دابته صدقة [4] الخ الحديث فقوله تعدل بين اثنين أي توفق بينهما وتزيل الوحشة الواقعة بينهما. ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي الدرداء"ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة" [5] وفي حديث أنس رضي الله عنه قال بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس إذا رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه فقال عمر رضي الله عنه ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي فقال:"رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة تبارك وتعالى فقال أحدهما يا رب خذ لي مظلمتي من أخي فقال الله عز وجل أعط أخاك مظلمته فقال يا رب لم يبق من حسناتي شيء فقال فليحمل من أوزاري#"
قال ففاضت عينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبكاء ثم قال إن ذلك ليوم عظيم يحتاج الناس إلى من يتحمل عنهم من أوزارهم فقال الله عز وجل للطالب أرفع بصرك وأنظر في الجنان فرفع رأسه فقال يا رب أرى مدائن فضة وقصورًا من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا لأي صديق هذا لأي شهيد هذا قال هذا لمن أعطى ثمنه قال يا رب ومن يملك ثمنه قال أنت تملكه قال ماذا يا رب قال تعف عن أخيك قال يا رب فإني قد عفوت عنه قال عز وجل خذ بيد أخيك فادخلا الجنة ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن الله يصلح بين المؤمنين
يوم القيامة" [6] ومعنى قوله اتقوا الله أي بطاعته فراقبوه وأصلحوا الحال بترك المنازعة والمخالفة."
وأما الأحاديث الواردة في النهي عن التهاجر والتقاطع فمنها حديث أبي أيوب رضي الله عنه المتفق عليه قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"لا يحل للرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" [7] وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه"ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا" [8] فنهى المسلمين عن التباغض بينهم في غير ذات الله عز وجل بل على هوى النفوس فإن المسلمين جعلهم الله إخوة والإخوة يتحابون بينهم ولا يتباغضون، وأما البغض في الله فهو من أوثق عرى الإيمان وليس داخلًا في النهي كما في الحديث:"أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله" [9] وفي الحديث أيضًا الذي أخرجه مسلم قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول أنظروا هذين حتى يصطلحا" [10] وفي الحديث أيضًا الذي أخرجه مسلم بلفظ"تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين يوم الاثنين والخميس فيغفر لكل عبد"
(1) سورة النساء آية 114.
(2) سورة آل عمران آية 102 - 103.
(3) سورة الأنفال آية 46.
(4) البخاري 3/ 170/171 كتاب الصلح مسلم 3/ 83 كتاب الزكاة.
(5) رواه أبو داود 5/ 218 كتاب الأدب والترمذي 5/ 663 كتاب صفة القيامة وقال: هذا حديث صحيح.
(6) ذكره ابن كثير في التفسير 2/ 305 وقال إن الحديث رواه أبو يعلى وذكر إسناده فقال وإسناد الحديث ضعيف.
(7) البخاري 8/ 45 كتاب الاستئذان مسلم 4/ 1984 كتاب البر والصلة والأدب.
(8) البخاري 7/ 91 كتاب الأدب مسلم 8/ 8 كتاب البر والصلة.
(9) أحمد 4/ 286 والطبراني في الكبير وغيرهما وهو حسن بمجموع طرقه.
(10) مسلم 8/ 11 كتاب البر والصلة.