بعض السلف (رأس العلم خشية الله) وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (كفى بخشية الله علمًا وكفى بالاغترار به جهلًا) وقال بعض السلف (من كان بالله أعرف كان منه أخوف) ويدل على صحة هذا المعنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه"أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له" [1] فكلما قوي علم العبد بالله كان ذلك سببًا لكمال تقواه وإخلاصه ووقوفه عند الحدود وحذره من المعاصي. ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [2] .
فالعلماء بالله وبدينه، هم أخشى الناس، وأتقاهم له، وأقومهم بدينه، وعلى رأسهم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ثم أتباعهم بإحسان. ولهذا أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم: أن من علامات السعادة أن يفقه العبد في دين الله، فقال عليه الصلاة والسلام:"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"أخرجاه في الصحيحين من حديث معاوية رضي الله عنه، وما ذاك إلا لأن الفقه في الدين يحفز العبد على القيام بأمر الله، وخشيته وأداء فرائضه، والحذر من مساخطه ويدعوه إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، والنصح لله ولعباده.
فأسأل الله عز وجل أن يمنحنا وجميع طلبة العلم وسائر المسلمين الفقه في دينه، والاستقامة عليه، وأن يعيذنا جميعًا من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
أهمية الدعوة إلى الله في حياة المسلم
أوجد الله العالم إنسهم وجنهم وحرهم وعبدهم وذكرهم وأنثاهم وصغيرهم وكبيرهم وحضريهم وبدويهم أوجدهم لحكمة عظيمة وهي عبادته وحده لا شريك له في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته وأفعاله وبذلك أرسل#
الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} [3] وقال {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [4] وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [5] وحرم الله سبحانه الشرك به في الأقوال والأفعال والاعتقادات وحرم الجنة على من أشرك به وأخبر أن مأواه النار وأنه لا يغفر لمن أشرك به.
والإسلام حين جاء بالشرائع والحدود والأوامر والنواهي فالغاية من ذلك سعادة البشر في الدنيا والآخرة إذا قاموا بما أوجب الله عليهم علمًا وعملًا واعتقادًا ودعوة. أما في الدنيا فالعز والنصر والتمكين والأمن والحياة الطيبة قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [6] الآية وقال تعالى {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [7] وأما سعادة الآخرة فالفوز برضا الله والجنة والنجاة من النار قال تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [8] فيجب على المسلمين عمومًا أن يقوموا بما أوجب الله عليهم من الدعوة إليه وإلى دينه بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن وأن يبذلوا الوسائل وينشئوا المصانع ويعدوا ما استطاعوا من قوة ضد الأعداء. كما قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [9] . والناس يقعون في الشرك والمعاصي بسبب طاعة الشيطان والهوى والنفس الأمارة بالسوء فيتدرجون من المباح إلى المكروه ومن المكروه إلى الحرام وبسبب الوقوع في الشبهات. كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم:"ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام" [10] وكما في الأثر: المعاصي بريد الكفر
(1) رواه البخاري ومسلم.
(2) سورة فاطر آية 28.
(3) سورة الذاريات آية 56.
(4) سورة النحل آية 36.
(5) سورة الأنبياء آية 25.
(6) سورة النور آية 55.
(7) سورة النحل آية 97.
(8) سورة آل عمران آية 185.
(9) سورة الأنفال آية 60.
(10) رواه البخاري ومسلم.