قلت: قوله هذا صريح في أن كل من دخل أو شارك في بدعة ظاهرة فهو مبتدع! ويحشر في زمرة المبتدعين! وهذا القول على إطلاقه ظاهر البطلان، فللعلماء تفصيل مهم في هذه المسألة، لا أدري كيف غفل عنه الشيخ؟ فقد فرق العلماء بين رمي المعين بالبدعة، وبين وصفه بالمبتدع، فلا يلزم من التبديع ببدعة وإن كانت ظاهرة أن يوصف صاحبها بأنه مبتدع، فضلا عن إجراء أحكام المبتدعة عليه كالتعزير والهجر والحكم عليه بالكفر أو الفسق على حسب بدعته، وإلا لزم منه أن يُصَنَّفَ كثيرٌ من علماء السلف والخلف وحملة السنة ورواتها ممن رمي بنوع بدعة في المبتدعة! والذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية والشاطبي وغيرهما -رحمهم الله- هو التفريق بين من خالف في المعاني الكلية للدين وقواعد الشريعة وأصولها العظيمة، فهذا مبتدع، وبين من كان على مذهب أهل السنة والجماعة في الجملة إلا أنه خالف في جزئيات أو فرعيات، ولم يفرق بها جماعة المسلمين ولا داعيا إليها ولم يوالِ ويعادِ عليها، فهذا من نوع الخطأ، ولا يُبَدَّع، فإذا كان مع ذلك جاهلا أو مقلدا فالله تعالى يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك، وإذا كان عالما مجتهدا فإنه متأول مأجور على اجتهاده، لأن الظن به أنه يقصد الحق، ولم يتعمد البدعة، فلا يليق أن يسمى مبتدعا ( [88] ) .