(...كان معظم الصحابة لا ينصحون إلا سرًا، فهذا صحابي واحد بارك الله فيك رأى هذا الأمير وقع في مخالفة السنة فنصحه، شفت كيف؟ وأما بارك الله فيك غالبًا نصائح الصحابة فكانت في السر، منهم أسامة بن زيد كما في البخاري) -إلى أن قال- (فعمل هؤلاء مثل عمل جماعة ابن سبأ فهؤلاء أسوة ابن سبأ كان هو وأصحابه يتحركون على المنابر للفتن فحصلت الفتن فهؤلاء يشبه عملهم عمل ابن سبأ وجماعته لا عمل أبي سعيد ومن معه، فهمتم هذا...) ، فقال السائل: إذًا النصيحة سرًا، يعني واجبة؟ فقال الشيخ: (سر، نعم، هي سر، واجبة على من يقدر) اهـ ( [94] ) .
قلت: الذي أشكل على ذلك السائل هو التعارض -في ظنه- بين حديث عياض بن غَنْم - رضي الله عنه - في نصيحة الولاة سرا وبين ما ثبت عن بعض الصحابة أنه أنكر على بعض الولاة علنا، والواقع أنه لا تعارض بينهما كما سيأتي، ولكن الشيخ لم يفقه الفرق بين الحديثين، ولا بين النصيحة وإنكار المنكر، فأجاب بأن الإنكار على الولاة يتعين أن يكون سرا، لفعل أكثر الصحابة، وأنه لا حجة في مخالفة صحابي واحد! بل صرح الشيخ أن من جاهر بالإنكار على الولاة فإنه على طريقة ابن سبأ وأهل الفتن!
وقد أخطأ الشيخ في جوابه هذا من وجوه كثيرة، منها: عدم تفريقه بين حديث عياض بن غَنْم - رضي الله عنه - في النصيحة وحديث أبي سعيد - رضي الله عنه - في إنكار المنكر، وعدم تفريقه بين ولاة العدل وولاة الجور، وإبطاله الإنكار العلني على الولاة، وجعل ذلك من عمل ابن سبأ اليهودي وأهل الفتن، والاحتجاج بحديثٍ في غير موضعه، وعدم الجمع بين النصوص، وعدم اعتباره اختلاف الصحابة رضي الله عنهم، وزعمه أن أكثر الصحابة رضي الله عنهم تركوا الإنكار على الولاة، ودعواه أن المخالف لمعظمهم صحابي واحد فقط، وجهله بإنكار كثير من أئمة السلف على ولاة الجور
والرد عليه من اثني عشر وجها: