الأول: إن بين النصيحة وإنكار المنكر عموما وخصوصا وجهيا، فالنصيحة أعم من الإنكار، وذلك أنه يدخل في النصيحة عموم الأمر والنهي من مسائل الاجتهاد وغيرها، أما الإنكار فقد اختلف أهل العلم فيمن قلده السلطان الحِسبة في ذلك، هل يحمل الناس على رأيه ومذهبه أم لا؟ على قولين ( [95] ) ، أرجحهما أنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد، ورجحه النووي حتى لو كان المحتسب من أهل الاجتهاد، فليس له أن يلزم الناس بمذهبه، لكنه استثنى ما خالف النص أو الإجماع أو القياس الجلي، وعزاه إلى أكثر المحققين من أهل العلم، فقال: (... وكذلك قالوا: ليس للمفتى ولا القاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصا أو إجماعا أو قياسا جليا) اهـ ( [96] ) .
وإنكار المنكر أعم من النصيحة من جهة أن الإنكار قد يكون بتغييره باليد، أما النصيحة فهي تذكير وموعظة، ولا تكون باليد وإلا كانت إنكارا.
والأصل في النصيحة أن تكون سرا، لأنها أدعى للقبول، لاسيما إذا كان المنصوح من الولاة، دلّ على ذلك حديث عياض بن غَنْم - رضي الله عنه - مرفوعا: (من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قَبِل منه فذاك، وإلا كان قد أدّى الذي عليه له) رواه أحمد ( [97] ) ، ولأن الإعلان بها على رؤوس الناس يخرجها عن النصيحة لتصبح تشهيرا وفضيحة، وغالبا ما يترتب على ذلك من المفاسد أكثر من المصالح.
أما الإنكار فالأصل فيه أن المنكر الظاهر ينكر علنا إلا إذا ترتب على الإنكار فتنة أعظم لما سيأتي، أما المنكر الخفي فلا يبحث عنه المحتسب وإن غلب على ظنه وقوعه، أو ظهرت له أماراته وآثاره، إلا في انتهاك حرمة يفوت استدراكها، كأن يبلغه أن رجلا خلا برجل ليقتله، أو بامرأة ليزني بها، فله في مثل هذه الحال أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذرا من فوات ما لا يستدرك ( [98] ) .