الصفحة 56 من 188

السادس: إنكار المنكر له شروط، منها: مراعاة المصالح والمفاسد وألا يفضي إنكار المنكر إلى منكر أعظم منه، ولذا كان الأصل الذي عليه أهل السنة هو الإسرار بالإنكار على ولاة العدل، والتلطف بهم لأنه أجدر بالقبول، ولا ينكر عليهم علانية خشية افتراق الكلمة وفتح أبواب الشر والفتنة، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (ومن دقيق الفطنة أنك لا ترد على المطاع خطأه بين الملأ، فتحمله رتبته على نصرة الخطأ وذلك خطأ ثان، ولكن تلطف في إعلامه به حيث لا يشعر به غيره) اهـ ( [107] ) ، ويدل عليه حديث عياض بن غَنْم - رضي الله عنه - ( [108] ) ، وأثر أسامة بن زيد - رضي الله عنه - ( [109] ) ، لكن هل يلزم من هذا ترك الإنكار العلني مطلقا؟ الصحيح أنه لا يلزم، قال النووي في شرح أثر أسامة بن زيد - رضي الله عنه -: (فيه الأدب مع الأمراء واللطف بهم ووعظهم سرا وتبليغهم ما يقول الناس فيهم لينكفوا عنه، وهذا كله إذا أمكن ذلك، فإن لم يمكن الوعظ سرا والإنكار فليفعله علانية لئلا يضيع أصل الحق) اهـ ( [110] ) .

السابع: من جهر بالإنكار على إمام جائر وتحمل الأذى في سبيل ذلك، لم يكن مخالفا للسنة البتة، بل هو متبع لها، وجعله النبي - صلى الله عليه وسلم - من أفضل المجاهدين، وسادات الشهداء، والدليل حديث جابر - رضي الله عنه - ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) رواه الحاكم ( [111] ) ، وعن طارق بن شهاب أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أي الجهاد أفضل؟ قال (كلمة حق عند إمام جائر) رواه أحمد ( [112] ) ، وهذا نص صريح يدل على استحباب الجهر بالإنكار على ولاة الجور، فكيف يصح أن يكون سادة الشهداء وأفضل المجاهدين مخالفين للسنة، فضلا عن أن يكونوا على طريقة ابن سبأ وأهل الفتن؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت