قلت: لم يظهر ولاة الجور إلا بعد الخلافة الراشدة، وبعد معاوية - رضي الله عنه - ، ولعل ابتداء ظهورهم كان سنة 60 هـ، فعن سعيد بن عمرو بن سعيد، قال: كنت جالسا مع أبي هريرة - رضي الله عنه - في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ومعنا مروان، قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: سمعت الصادق المصدوق يقول: (هَلَكةُ أمتي على يدَيْ غِلْمَةٍ من قريش) ، فقال مروان: لعنة الله عليهم غِلْمةً، رواه البخاري ( [125] ) ، قال الحافظ: (وفي رواية ابن أبي شيبة أن أبا هريرة - رضي الله عنه - كان يمشي في السوق ويقول:"اللهم لا تدركني سنة ستين، ولا إمارة الصبيان"، وفي هذا إشارة إلى أن أول الأغيلمة كان في سنة ستين، وهو كذلك فإن يزيد بن معاوية استخلف فيها...) اهـ ( [126] ) .
وكان يزيد بن معاوية ينتزع الشيوخ من إمارة البلدان الكبار ويوليها الأصاغر من أقاربه، واتخذ عمالًا فيهم ظلم وجور، قال الذهبي: (افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين - رضي الله عنه - ، واختتمها بواقعة الحرة، فمقته الناس، ولم يبارك في عمره) اهـ ( [127] ) .
قلت: ولذلك كثر واشتهر الاحتساب العلني على الولاة بعد الستين، لأن ولاة الجور أخذوا في الظهور شيئا فشيئا بعد ذلك، وقد تقدم نقل كلام إمام الحرمين أن السلف كانوا ينكرون على ولاة الجور ( [128] ) ، أما قبل الستين فلم يكن في المسلمين ولاة جور، بل كانوا ولاة عدلٍ وخيرٍ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وإن وقع من أحدهم شيء فهو من الخطأ الذي لا يسلم منه البشر، فكان الإسرار بالنصح هو المتبع فيما بينهم، كما كان أسامة بن زيد ينصح للخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنهم.