الصفحة 69 من 188

قلت: لا شك أن الرادَّ على أهل البدع مجاهد، وورد عن بعض السلف أن الذب عن السنة أفضل من الجهاد، أي القتال، ولكن هذا التفضيل ليس على إطلاقه، بل هو مقيد بظهور البدع وأهلها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (كانت البدع في القرون الثلاثة الفاضلة مقموعة وكانت الشريعة أعز وأظهر وكان القيام بجهاد أعداء الدين من الكافرين والمنافقين أعظم) اهـ ( [153] ) ، وقال ابن دقيق العيد: (الْقِيَاس يَقْتَضِي أَنْ يَكُون الْجِهَاد أَفْضَل الأَعْمَال الَّتِي هِيَ وَسَائِل، لأَنَّ الْجِهَاد وَسِيلَة إِلَى إِعْلان الدِّين وَنَشْره وَإِخْمَاد الْكُفْر وَدَحْضه , فَفَضِيلَته بِحَسْب فَضِيلَة ذَلِكَ) اهـ ( [154] ) .

وأما قوله إنه جهاد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهذا يحتاج إلى تفصيل، فإن أراد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذم البدع والمحدثات وحذر منها، فهذا ثابت عنه - صلى الله عليه وسلم - ، وأما إذا كان مراده أنه - صلى الله عليه وسلم - حارب البدع وردّ على أهلها -كما هو ظاهر كلامه- فهذا غير صحيح، لأن الأمة الإسلامية في زمنه - صلى الله عليه وسلم - كانت خالية من البدع وأهلها، ولم يظهر شيء منها إلا بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - ، فقد كان ابتداء ظهور البدع في زمن الصحابة رضي الله عنهم، كالخوارج والسبئية والرافضة والقدرية وغيرهم، وهذا واضح من تعريف العلماء للبدعة بأنها (طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية... على غير مثال تقدمها من الشارع) ( [155] ) .

ولا نعلم إلا أنه - صلى الله عليه وسلم - جاهد الكفرة والمشركين والمنافقين وأهل الكتاب، فإذا كان الشيخ يعلم طائفة من أهل الأهواء والبدع ظهرت في هذه الأمة وقاتلها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فليسمها وليبينها لنا!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت