(والله، نحن ما نعرف ما وضعت هذه الأصول إلا لكتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم توضع لكلام البشر، فالرجل إذا كان له قولان قالوا: له قولان، القول الأول كذا، والقول الثاني بخلافه، ما قالوا يحمل المطلق على المقيد، في المذهب الواحد خمسة أقوال، يختار منها الذي يريد الحق ما يوافق الكتاب والسنة، والبقية يقول: أقوال، ما يقول: يحمل المطلق على المقيد) اهـ ( [172] ) .
قلت: لعل سبب نفيه هذه الدلالات عن الألفاظ في كلام الناس أنه تمسك في ردوده على سيد قطب بكلام مجمل أو مطلق أو مشتبه في عدد من المسائل التي أخذها عليه في مواضع من كتبه، فلما واجهه بعض طلبة العلم بكلام آخر لسيد قطب في مواضع أخرى، يُبَيِّنُ ما أُجمل، أو يُقيد ما أُطلق، أو يوضح المشتبه، أو ينسخ ما قبله، زعم ما زعمه من أن هذه الدلالات خاصة بالكتاب والسنة ولم توضع لكلام البشر ليُثَبِّتَ مآخذه على سيد قطب! ويسد الباب في وجه المدافعين عنه، فنعوذ بالله تعالى من اتباع الهوى!
أما إذا كان الشيخ لا يعرف إلا هذا الذي ذهب إليه في الأصول فهذه مصيبة! لأنه يدل على جهله بلسان العرب والفقه والإجماع وأصول أهل السنة! وهذه المسألة من البدهيات عند العقلاء! لأنها مقتضى اللسان العربي، وقد نص أهل العلم على أن لسان العرب يقتضي حمل المطلق على المقيد، والعام على الخاص، والمجمل على المفسر... الخ، وأنّ عُرْفَ الشارع حُمِلَ على مقتضى لسانهم ( [173] ) .
حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نص على أن (تنوع دلالة اللفظ بالإطلاق والتقييد في كلام الله ورسوله وكلامِ كلِّ أحدٍ بيِّنٌ ظاهرٌ لا يمكن دفعه) اهـ ( [174] ) .
وقال أيضًا في جواب مسألة تتعلق بأوقاف الناس ووصاياهم: (لا يجوز اعتبار الكلام المقيد دون مطلقه، وهذا مما اضطر الله العقلاء إلى معرفته! إلا أن يحول بين البصيرة وبين الإدراك مانع! فيفعل الله ما يشاء) ! اهـ ( [175] ) .