الصفحة 99 من 188

وبين رحمه الله أثر العلم بالواقع في فهم كلام الله تعالى، وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وعلاقة ذلك بالتوحيد، فقال في تفسير قوله تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [سبأ: 22] فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يعتقد أنه يحصل له به من النفع، والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريده عابده منه فإن لم يكن مالكا كان شريكا للمالك، فإن لم يكن شريكا له كان معينا له وظهيرا، فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا، كان شفيعا عنده، فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيا مترتبا متنقلا من الأعلى إلى ما دونه، فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يظنها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه، فكفى بهذه الآية نورا وبرهانا ونجاة وتجريدا للتوحيد، وقطعا لأصول الشرك ومواداه لمن عقلها، والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمنه له، ويظنونه في نوع، وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك، ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية) اهـ ( [219] ) .

وذكر ابن القيم الآيات من سورة المؤمنون: {ولو اتبع الحق أهواءهم -إلى قوله- لناكبون} [المؤمنون: 71-74] ، ثم قال:

(والناصح لنفسه العامل على نجاتها يتدبر هذه الآيات حق تدبرها، ويتأملها حق تأملها، وينزلها على الواقع فيرى العجب، ولا يظنها اختصت بقوم كانوا فبانوا، فالحديث لك واسمعي يا جارة، والله المستعان) ( [220] ) ، وقال أيضًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت