الصفحة 70 من 195

المتعاملين بها من دون حاجة إلى قرينه لتحقيق التبادر المسبب لذلك الفهم فيقول: - (تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال عرفًا، لان الكلام موضوع للافهام والمطلوب به ما تسبق اليه الأوهام، فاذا تعارف الناس استعماله لشيء عينًا كان ذلك بحكم الاستعمال كالحقيقة فيه وما سوى ذلك -لانعدام العرف- كالمهجور لا يتناوله الا بقرينه؛ الا ترى ان اسم الدراهم عند الاطلاق يتناول نقد البلد لوجود العرف الظاهر في التعامل به ولا يتناول غيره الا بقرينه لترك التعامل به ظاهرًا في ذلك الموضع وان لم يكن بين النوعين فرق فيما وضع الاسم له حقيقة) [1] ، ويجمع السرخسي بين ما تغير معناه بعرف المستعملين وبين ما تغير معناه بعرف اهل الشرع كلفظ (الصلاة) . و (الحج) ضمن ما تترك به الحقيقة بدلالة الاستعمال عرفًا فعرف المستعملين في نظره ذو معنى عام يتضمن كل عرف لهم يمكن ان يتسبب في تغيير او نقل اللفظ من معناه اللغوي الى أي معنى اخر غير معناه الحقيقي، أي يشمل كل العوامل الفكرية والاجتماعية التي يمكن ان تؤثر على الالفاظ فتغير من دلالتها باصل الوضع وبهذا يشير السرخسي الى ان الالفاظ اما ان تكون حقائق بدون تقسيمها الى انواع بمعنى الحقيقة اللغوية فقط واما ان تكون مجازات (وبيان هذا في اسم الصلاة فانها للدعاء حقيقة؛ ... وهي مجاز للعبادة المشروعة باركانها، سميت به لانها شرعت للذكر، قال تعالى واقم الصلاة لذكري [2] وفي الدعاء ذكرٌ وان كان يشوبه سؤال، ثم عند الاطلاق ينصرف الى العبادة المعلومة باركانها سواء كان فيها دعاء او لم يكن كصلاة الاخرس وانما تركت الحقيقة للاستعمال عرفًا. وكذلك الحج فان اللفظ للقصد حقيقية ثم سميت العبادة بها لما فيها من العزيمة والقصد للزيارة فعند الاطلاق الاسم يتناول العبادة للاستعمال عرفا) [3] .

فالسرخسي يرى ان ما يسمى من الالفاظ بالحقيقة العرفية والشرعية ما هي الا الفاظ تركت معناها اللغوي إلى معانٍ أخرى تعارف الناس على استخدامها على سبيل

(1) اصول السرخسي: 1/ 190.

(2) طه: 14.

(3) اصول السرخسي: 1/ 190 - 191.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت