الصفحة 71 من 195

التجوز لمناسبة بين المعنى الاول والمعنى الثاني فغلبت في الاستعمال على السنة الناس بمعناها الجديد حتى اصبحت بحكم الاستعمال كالحقيقة وان مشابهتها للحقيقة في الاستعمال ناتجة عن اتسامها بسمة التبادر ومحورها انتفاء القرينة فهي من سمات الحقيقة اذ انها أصبحت متبادرة إلى الذهن بدون الحاجة إلى قرينة وسمة التبادر هي السبب في جعل بعض الأصوليين يعدون هذه الالفاظ حقائق عرفية وشرعية، اذ يرى ان المجاز قد يتحول إلى وضع لغوي جديد حين يفقد كثيرًا من مقومات مجازيته بتكرار استخدامها. وتكرار استخدامها هو الذي يمنحها سمتا التبادر والاطراد فتقترب من الحقيقة في الاستعمال ويمثل هذا إدراكا لاثر عوامل التطور في تغير دلالة الالفاظ عبر الزمن لتنسجم مع الرغبات التعبيرية لأفراد المجتمع والذي ارى تغييب هذه العوامل وأثرها الدلالي اذا ما اردنا التعامل مع هذه الالفاظ على انها حقائق وليست مجازات لأننا عند ذلك نكون قد غيبنا الدلالة الاصل لها.

ولا يخفى ان فيما يراه السرخسي في هذه الالفاظ من انها مجازات لغوية هو الاقرب والانسب إلى الدرس اللغوي الحديث فالبحث اللغوي في مجال التغير الدلالي قد اثبت ان الالفاظ تكتسب دلالات جديدة مستحدثة اذا توفرت لها شروط خاصة [1] . فان الالفاظ هي احداث لها بعدها الزماني والمكاني، بمعنى ان لها بعدًا ماديًا وقد حددت بمسميات مخصوصة غير انها تكتسب معاني اضافية أخرى من خلال الاستعمال الذي استمر عبر الزمان، ومن هنا كانت دراسة تاريخ اللغة وتطورها مساعدًا في استعمال الكلمات الصحيحة للتعبير [2] . وهو امر يقتضي تحديد الدلالة الاولى التي اكتسبتها الالفاظ بالمواضعة والتي نجدها في مفهوم السرخسي للحقيقة لرصد ما يطرأ على دلالة اللفظ من اضافات وتغير عبر الزمن، فمن خلال ما تتطلبه دقة وموضوعية البحث في التغير الدلالي تتجلى اهمية هذا التحديد للدلالة

(1) ينظر: منهج البحث (علي زوين) : 134.

(2) ينظر: البلاغة والاسلوبية: 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت