الصفحة 72 من 195

الاصل للالفاظ والتي ابتنى عليه موقفه من عد الحقائق العرفية والشرعية مجازات غلبت في الاستعمال بمعاني جديدة وليس وضعًا جديدًا لمعنى جديد.

ان موقف السرخسي ازاء الحقائق العرفية والشرعية يمثل ادراكًا منه للتطور الدلالي الذي يطرأ على الالفاظ. والتطور الدلالي ظاهرة شائعة في جميع اللغات يواجهها كل دارس لاطوار اللغة التاريخية، ويرى (اولمان) ان التغير في المعنى يحدث كلما وجد أي تغير في العلاقة الاساسية بين اللفظ ومعناه [1] . وقد اشار السرخسي في النص السابق إلى هذا التغير في العلاقة اذ ان المعنى الحقيقي حين يهجره اللفظ فانه لا يتناوله"الا بقرينه لترك التعامل به ظاهرا في ذلك الموضع"والحاجة إلى القرينة سمة على ضعف العلاقة بين اللفظ والمعنى الموضوع له.

ولنا ان نستخلص مما تناوله السرخسي من الحقائق العرفية والشرعية اشارته الى نمطين من انماط التطور الدلالي هما:-

1 -تضييق المعنى او تخصيصه: ويقصد به اقتصار اللفظ ذي الدلالة العامة على بعض أجزائه فيضيق شمول الكلمة وتقتصر على اشياء اقل عددًا مما كانت تدل عليه في الاصل [2] .

ومن امثلة هذا النوع من التطور عند السرخسي لفظ (الحج) اذ اشار إلى ان (اللفظ للقصد حقيقة) ثم خصصت دلالته على بعض افرادها فسميت (العبادة بها لما فيها من العزيمة والقصد للزيارة ... كالمشي إلى بيت الله تعالى غير الحج حقيقة ولكن للاستعمال عرفًا ينصرف مطلق اللفظ اليه) [3] ، ويشير السرخسي إلى شكل التغير الذي طرأ على دلالة اللفظ بان هذا التغيير انما هو تخصيص لمعناه العام بقوله:- (ان العام اذا خصص منه شيء يصير شبيه المجاز) [4] ، أي ان هذا المعنى الشرعي الذي اكتسبه اللفظ وهو ناتج التطور الدلالي بسبب تطور عرف المستعملين قد حدث

(1) ينظر: دور الكلمة في اللغة: 152.

(2) ينظر: علم الدلالة (عمر) :245، ودراسة المعنى عند الاصوليين: 193 - 194.

(3) اصول السرخسي: 1/ 191.

(4) المصدر نفسه: 1/ 191.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت