الصفحة 79 من 195

حروف الجر وحروف القسم وغيرها فيما بينها [1] ، أي انه يرى المجاز ذا قدرات تعبيرية على المعنى لا تقل شأنًا عما تؤديه الصياغة بالدلالات اللغوية للالفاظ.

اما الامر الثاني فيكمن في تحديده لطريق معرفة المجاز بقوله:- (وانما طريق معرفة المجاز الوقوف على مذهب العرب في الاستعارة دون السماع بمنزله القياس في احكام الشرع، فان طريق تعديه حكم النص إلى الفروع معلوم وهو التأمل في معاني النص واختيار الوصف المؤثر منه لتعديه الحكم بها إلى الفروع، فاذا وقف مجتهد على ذلك واصاب طريقه كان ذلك مسموعًا منه وان لم يسبق به، فكذلك في الاستعارة اذا وقف انسان على معنى تجوز الاستعارة به عند العرب فاستعار بذلك المعنى واستعمل لفظًا في موضع كان مسموعًا منه وان لم يسبق به، وعلى هذا يجري كلام البلغاء من الخطباء والشعراء في كل وقت) [2] .

فاذا كانت المواضعة نوعا من العرف الاجتماعي في دلالة اللغة هو الذي يربط الدال بالمدلول فان السرخسي، جعل لهذه المواضعة الاجتماعية دورًا في التحول المجازي لالفاظ الكلام اذ يرى ان انتقال اللفظ من معنى إلى معنى -إلى جانب علاقة المشابهة او الاتصال لابد ان يكون مقيسًا على صنع الجماعة او مرهونًا بقبولهم ان كان من صنع الفرد، فالعلاقات المجازية تنشأ عمومًا على اساس اعتماد خصيصة معينة يشخصها اناس في مجتمع كلامي خاص بوصفها تشبيهات سائدة كالافتراس خلسة في الذئب والانسلال والحذف والمكر في الثعلب [3] .

ويبقى العرف هو الموثق للجديد فيما يخص اللفظ ابتداءًا او تغييرًا وبتعبير اخر المجتمع هو المتجوز وهو المالك لهذا الامر المبيح له والمانع منه [4] . وما اشار إليه السرخسي من تغيير دلالة الالفاظ بالاستعمال عرفا خير دليل على دور العرف والمجتمع في خلق هذا التجوز. ويبدو من النص ايضا ان اهتمام السرخسي بالتعبير

(1) ينظر: المصدر نفسه: 1/ 206، 236.

(2) اصول السرخسي: 1/ 178.

(3) ينظر: نحو علم الترجمة: 193 - 194، علم الدلالة العربي: 388.

(4) ينظر: المجاز واثره في الدرس اللغوي: 113 - 114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت