الصفحة 80 من 195

المجازي غير مقتصر على دور المجتمع فقط أي على عمل الجماعة كمتلقٍ لهذا التجوز ومقرٍ له، فلنا ان نلمح من خلال النص السابق انه يجمع بين دور المتلقي ودور المبدع معًا اذ يجعل للمبدع حق الاجتهاد في الاشتقاق المجازي، فيكون هذا الاشتقاق في جانب منه عمل ابداعي جمالي، وهنا يأخذنا السرخسي إلى مستويين من الكلام يمكن ان يوفرهما الاستعمال المجازي هما المستوى الاخباري والمستوى الفني الجمالي وهو مستوى تكون فيه الدلالة نابضة وموحية وليست دلالة عادية، يحتاج المبدع فيها إلى حدة الذهن وقوة الخاطر وهذا المستوى في نظره اوفر نصيبًا عند الشعراء وبلغاء الكلام لانهم اصحاب طاقة ابداعية وهذه الطاقة"هي صاحبة القدرة على خلخلة الدلالة الوضعية والخروج بها الى تشكيلات لا يسمح بها المعجم لانها تسمح بتكوين صياغي متنافر الدلالة لا يمكن قبوله الامن منطلق ابداعي" [1] غير انه لا يجعل الابداع المجازي حقًا لجيل منهم دون اخر بل يجري عليه الكلام كما يقول السرخسي:- (في كل وقت)

وعليه يمكن القول ان عملية الابداع في التعبير المجازي قضية مفتوحة على مر الزمن ليتمكن المجاز من خلالها ان يكون سببًا في ديمومة اللغة من حيث مواكبتها لمتطلبات التطور الحضاري وكذلك غايات التعبير الجمالية فالسرخسي يدرك ان كل ابداع مجازي هو وليد الظروف الزمانية والمكانية لكل من المبدع والمتلقي في لحظة الابداع وحتى تقييده للمجاز بمذهب العرب في الاستعارة الذي هو في حقيقته قوانين المواضعة المجازية فهو مستنتج من مجموع نتاجهم المجازي بما فيه اجتهادات مبدعيهم المجازية على مر الزمن وهذا النتاج غير محدد بزمن معين او مقتصر على عصر دون اخر او فئة دون أخرى غير ان الالتزام به يمثل الاعتماد على مجموعة من القيم كوسيلة تتطلبها المحافظة على الوظيفة البيانية للغة عند السرخسي.

(1) البلاغة العربية قراءة أخرى (محمد عبد المطلب) : 98.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت