الصفحة 35 من 97

وبدأ الأيمان يتسلل إلى قلب عمر رضي الله عنه مرة أخرى، تمثل ذلك في ضعفه عن الأخذ بالصحيفة من أخته وهو القادر على ذلك، وتمثل ذلك أيضا في قسمه لها (( لا تخافي وحلف لها بآلهته ) )حينئذ تمالكت أخته رضي الله عنها وقالت له: (( يا أخي، إنك نجس على شركك، وأنه لا يمسها ألا الطاهر ) ).

الذي يعرف شخصية عمر رضي الله عنه لا يتصور أن يقبل هذا الكلام من أخته أو حتى من غيرها، لكننا نرى في سبب قبوله أ ن الإدراك الوجداني للأيمان قد عاوده مرة أخرى، بل وأصبح تأثيره هو الغالب.

وأشرق نور الأيمان في قلبه رضي الله عنه حين قرأ من القرآن الكريم سورة طه، ولما سمع الصحابي الجليل خباب ذلك خرج أليه وبشر بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب ) )وقد فرح خباب رضي الله عنه حين رأى الإشراقات الإيمانية بادية على وجه عمر رضي الله عنه حيث عبر عن ذلك بقوله: (( فالله الله يا عمر ) ).

وأخيرا وصل الصراع إلى شاطئ السكينة والأمان، وقد عبر عن ذلك بسؤاله: (( فدلني يا خباب على محمد، حتى آتيه فأسلم ) ).

ولعلك أيها القارئ الكريم تعايش هذا الصراع داخل الفاروق، لأن شخصية مثله حين يغير عقيدته يحتاج إلى دوافع قوية تؤثر فيه إيجابيا.

وعند ذهابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من الواجب أن يتخلى عن سيفه،إلا أنه في خضم هذا الصراع لم يتنبه له، وكذلك ختنه وأخته وخباب رضي الله عنهم ونرى رد فعل حمله للسيف في قول حمزة لله: (( إن جاء يريد شرا قتلناه بسيفه ) ).

والمتأمل لعمر رضي الله عنه في استسلامه للنبي صلى الله عليه وسلم وفي جوابه له صلى الله عليه وسلم (( يا رسول الله، جئتك لأومن بالله ورسوله، وبما جاء من عند الله ) )يجد سكينة نفسية وإدراكًا إيمانيًا كاملًا وخضوعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، دون أدنى مقاومة من عمر على شدته وقوته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت