الصفحة 36 من 97

وقد جاء تكبير النبي صلى الله عليه وسلم ثم تكبير الصحابة كتزكية لنفس عمر، وتسكين لها بعد طول معاناة من صراع نفسي طويل وشاق، يقربه تارة من إدراك الإيمان، وتارة أخرى من العداوة، وإرادة القتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وضرب ختنه وأخته.

وقد بدأ عمر رضي الله عنه يقع تحت تأثير عاطفة أخرى، وهو الشعور بالذنب كرد فعل طبيعي لما سبق أن قام به ضد المسلمين، وما كان يحمله لهم من عاطفتي العداوة والبغضاء، وقد تولد أيضًا في نفس اللقاء عاطفة الإقدام التي دفعته لطلب الجهر بالإسلام.

(ففيم الخفاء يا رسول الله؟ علام نخفي ديننا ونحن على الحق؟) : ولما أسلم عمر قال: يا رسول الله ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: (( بلى، والذي نفسي بيده إنم على الحق إن متم، وإن حييتم ) )فقلت: ففيم الخفاء يا رسول الله؟ علام: نخفي ديننا ونحن على الحق، وهم على الباطل؟! فقال: (( يا عمر إنّا قليل، قد رأيت ما لقينا ) )فقال: والذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه بالإيمان.

ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم هو والمسلمون في صفين: عمر في أحدهما، وحمزة في الآخر، قال حتى دخلنا المسجد الحرام، فنظرت قريش إلينا، فأصابتهم كآبة لم يصيبهم مثلها قط، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ (الفاروق) لأنه فرق بين الحق والباطل. (1)

ثم نرى تأثير الشعور بالذنب يدفع عمر رضي الله عنه إلى رغبة في أن يقاسى آلام الضرب والتعذيب كما قاساها السابقون رضي الله عنهم.

(1) - ابن الجوزي: مناقب عمر23، 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت