يحتاج البحث هنا إلى توضيح أثر العواطف في الحياة النفسية، والسلوك عند عمر رضي الله عنه، ونقدم لهذا الأمر بشرح لهذا الأثر للدكتور يوسف مراد (1) :
(( ينجلي هذا التأثير في عمليات الإدراك والتذكير وتداعي المعاني، وفي تكوين معتقداتنا وتعديلها. فهي تؤثر في سير أفكارنا سواء أكانت تلقائية شاردة كما في أحلام اليقظة، أم موجهة مقيدة كما في الذكريات دون غيرها، وفي توجيه نشاط الذاكرة، ويكون التأثر الوجداني السائد بمثابة المركز الذي يجذب إليه الإحساسات والعواطف المجانسة له، وهذا ما يعرف بتبلور العواطف. فعندما يستولي علينا الحزن العميق، نميل إلى تذكير ما أصابنا في الماضي من أحداث وخطوب، وإلى تأمل بؤس الآخرين وتصور كل ما تعانيه الإنسانية من شقاء. فتطغى علينا موجة من التشاؤم، ولا نعود نفكر إلا فيما يحيط بنا من أسباب الهم والغم. كالحزين يتلمّس فيما يصادفه من حوادث ومواقف، مادة لإذكاء التحرق والتلظّي وسببًا يبعث في نفسه الذكريات المؤلمة، فإذا خشع أو بكى فاستجابة لعاطفة من الحزن كامنة في صدره، لم يذر عنها الرماد، إلا ذلك الأثر المادي الذي وقعت عيناه عليه ) ).
ويستطرد في توضيح أثر العواطف فيذكر:
(( فالأم الثكلى التي فقدت ابنها في الحرب، تبعث في نفسها زيارة قبر الجندي المجهول أقسى الذكريات، فلا عجب إذا هي أجهشت في البكاء أمام ذلك النصب الأليم، قال مثل هذا عن متمم بن نويرة الذي كان إذا رأى قبرًا من القبور ذكر أخاه مالكًا فبكى، وإلى هذا يشير بقوله:
لقد لامني عند القبور على البكا ... رفيقي لتذارف الدموع السوافك
فقال أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى فالدكائك
فقلت له إن الشجا يبعث الشجا ... فدعني فهذا كله قبر مالك
أما الشخص الفرح الطروب، فإن الضياء الذي يشع من أساريره ينتشر حوله، مكونًا هالة من النور، تغمر الأشخاص والأشياء في دوائرها المتعاقبة.
(1) - مبادئ علم النفس العام ص168-169.