والذي يعني البحث من هذا الموقف، انه يجسد مدى التقارب الذي أصبح فيه عمر رضي الله عنه، فهو يريد مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه -يعني أبا بكر- رضي الله عنه بالبكاء أو التباكي.
3-الغيرة الإيمانية:
(كذبت والله يا عدو الله، إن الذي عددت لأحياء) : بعد هزيمة المسلمين في أحد (1) أشرف أبو سفيان بن حرب على المسلمين فقال: (( أفي القوم محمد؟ ) )فقال لهم النبي: (( لا تجيبوه ) )، (( أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ ) )والنبي يقول: (( لا تجيبوه ) )، فقال أبو سفيان: إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذي عددت لأحياء، وقد بقي لك ما يسوءك، فقال: يوم بيوم بدر والحرب سجال -يعني يوم لك يوم عليك- فقال له عمر: لا سواء، قتلانا ف الجنة
(1) - غزوة أحد: وكانت يوم السبت لخمس عشرة دخلت من شوال في العام الثالث للهجرة، وسببها أن فريشًا أرادت أن تثأر ليوم بدر، فما زالت تستعد حتى تجهزت لغزو الرسول في المدينة، فخرجت في ثلاثة آلاف مقاتل ما عدا الأحابيش، وساروا حتى وصلوا بطن الوادي من قبل أحد، وكان من رأى النبي وعدد من الصحابة أن لا يخرج المسلمون إليهم، بل يظلون في المدينة فإن هاجمهم المشركون صدّوهم عنها، ولكن بعض الشباب المسلمين المهاجرين والأنصار وخاصة من لم يحضر منهم معكرة بدر، ولم يحصل له شرف القتال فيها، تحمسوا للخروج إليهم، فنزل الرسول عند رأيهم، وخرج لملاقاة المشركين، وجعل الرسول ظهره إلى أحد ووجهه للمشركين، واختار خمسين من الرماة ليحموا ظهر المسلمين، وأمرهم ألا يبرحوا اماكنهم، ولكن حينما رأوا انتصار المسلمين تركوا أماكنهم ليأخذوا نصيبًا من الغنائم، وعندئذ التف وراءهم خالد بن الوليد فكرّ عليهم، وعندئذ اضطرب المسلمون وهزموا وأشيع أن الرسول قُتل، وبلغ عدد قتلى المسلمين نحو 70وقتلى المشركين23. انظر: ابن سيد الناس: عيون الأثر 1/301-375.