الصفحة 49 من 97

وبهذه التقدمة البارعة قضى الرسول صلى الله عليه وسلم على ما عسى أن يداخل نفس الفاروق، فإذا كان الرسول لم يأخذ برأيه، فحسبه شرفا وتقديرا أن يكون شبيها بنبيين من أولى العزم من الرسل، وإنها لأمنية تنقطع دونها الأماني، وحلم ترنو إليه أي نفس مهما بلغت من أصالة الرأي، وحسن التدبير، والاقتناع بما رأت.

وتشبيه النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه بنوح وموسى عليهما السلام يعطى أشارة إلى ميله إلى استعمال الشدة مع المشركين، وهذا التحليل يتفق وكثيرا من المواقف في صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم.

ولنا أن نتوقف أمام قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( إن الله ليلين قلوب رجال فيه...، وإن الله ليشدد قلوب رجال... ) )فالتعبير هنا بالقلب أي أنه متعلق بالجانب العاطفي والله أعلى وأعلم.

* (يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب) :

خرجت سودة بنت زمعة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت امرأة طويلة فناداها عمر رضي الله عنه بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة، حرصا على أن ينزل الحجاب (1) ، وقد كان نزول آية الحجاب من موافقات عمر رضي الله عنه فقد روى عن أنس أنه قال: قال عمر رضي الله عنه قلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب (2) :

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ...} إلى قوله تعالي:

{وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} (3) .

(1) - ابن كثير: تفسير سورة الأحزاب3/505.

-سيد قطب: في ظلال القرآن 5/2877.

(2) - صحيح البخاري: كتاب تفسير سورة الأحزاب 6/48 -صحيح مسلم: كتاب النكاح9/89.

ابن الجوزي: مناقب عمر36، 37.

ابن كثير: البداية والنهاية4/147.

(3) - سورة الأحزاب آية: 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت