في جهد شديد من قلة الظهر، حتى كان الرجلان والثلاثة يعتقبون على بعير واحد، ومن قلة المؤنة حتى كان الرجلان والثلاثة يقتسمون التمرة فيما بينهم، حتى استأذنوا رسول الله أن ينحروا رواحلهم فيأكلوا منها، فأذن لهم، فجاء الفاروق عمر فقال: (( يا رسول الله إن فعلنا قلّ الظّهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم وادع الله لهم فيها بالبركة ) )، فقال الرسول: (( نعم ) )ودعا بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، حتى اجتمع من ذلك شيء يسير، فدعا رسول الله بالبركة ثم قال: (( خذوا في أوعيتكم ) )، فأخذوا حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوها، وأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى بها عبد غير شاكّ فيحجب عن الجنة ) ) (1) .
عاطفة الشفافية والإستبصار تدفعه إلى إبداء رأيه في عدم ذبح الدواب، وفي نفس الوقت تعطي مدلولًا آخر ببصيرته الإيمانية نحو استجابة الله عز وجل لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* (يا رسول الله إن للروم جموعًا كثيرة، فلو رجعنا في هذه السنة..) : وبعد أن أقام النبي بتبوك مدة استشار أصحابه في مجاوزة تبوك إلى ما هو أبعد من ديار الشام، فقال الفاروق عمر: (( إن كنت أمرت بالسير فسر ) )فقال صلى الله عليه وسلم: (( لو كنت أمرت بالسير لما استشرت ) )فقال عمر: يا رسول الله إن للروم جموعًا كثيرة، وليس بالشام أحد من أهل الإسلام، وقد دنونا، وقد أفزعهم دنوك، فلو رجعنا في هذه السنة حتى ترى أو يحدث الله أمرًا. فاستجود النبي رأيه واتبع مشورته بالرجوع إلى المدينة فعادوا حامدين شاكرين (2) .
(1) - ابن كثير: البداية والنهاية5/9، 10 والحديث نقلًا عنه.
(2) - ابن كثير: المرجع السابق.