الصفحة 62 من 97

: قدم مكرز بن حفص في فداء سهيل بن عمرو (1) ، وكان سهيل رجلًا أعلم (2) من شفته السفلي، فقال عمر بن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (( دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو فيدلع(3) لسانه، فلا يقوم عليك خطيبًا في موطن أبدًا ))فكان جواب النبي هذا الجواب البالغ السمو في الرحمة والإنسانية: (( إلا أمثل به، فيمثل الله بي، وإن كنت نبيًا، وعسى أن يقوم مقامًا لا تذمه ) )وقد صدقت نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه لما جاور الرفيق الأعلى أراد بعض أهل مكة الارتداد كما فعل غيرهم من الأعراب، فقام سهيل هذا خطيبًا وقال بعد أن حمد الله واثنى عليه وصلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمد قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ألم تعلموا أن الله قال: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} وقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ} ثم قال: والله إني لأعلم أن هذا الدين سيمتد امتداد الشمس في طلوعها، فلا يغرنكم هذا - يريد أبا سفيان(4) - من أنفسكم، فإنه يعلم من هذا الأمر ما أعلم، لكنه قد ختم على صدره حسد بني هاشم، وتوكلوا على ربكم فإن دين الله قائم، وكلمته تامة، وإن الله ناصر من نصره ومقر دينه، وقد جمعكم الله على خيركم -يعين أبو بكر- وإن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة، فمن رأيناه ارتد ضربنا عنقه ))فتراجع الناس عما كانوا عزموا عليه (5)

(1) - خرج من مكة إلى حنين مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو على شركه فأسلم بالجعرانة وقد روى أحاديث، مات في طاعون عمواس بالشام سنة ثماني عشرة، ويكنى أبا يزيد رضي الله عنه. ابن سعد: الطبقات5/453.

(2) - أعلم: مشقوق الشفة.

(3) - فيدلع: يخرج عن الكلام.

(4) - لم يثبت أن أبا سفيان كان له موقف سيء بعد وفاة رسول الله، ولقد أسلم الرجل وحسن إسلامه، وأبلى في فتوح الشام بلاء حسنًا.

(5) - ابن حجر العسقلاني: الإصابة 2/93، 94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت