إن إسراع الفاروق رضي الله عنه نحو أبي سفيان تتجسد فيه حدة العاطفة نحو مشرك كم ذاق المسلمون من أفعاله، وكم كاد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدري أنه في طريقه إلى الإسلام، أما عن مقولة العباس رضي الله عنه: (( لو كان من رجال بني عدي ـ قبيلة عمر ـ ما قلت هذا ) )نلمس له العذر لحداثة عهده في الإسلام، ويأتي جواب عمر رضي الله عنه عليه (( فوالله لإسلامك يوم أسلمت.. من إسلام الخطاب ) )معبرا عن عاطفة الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو قد فرح لإسلام العباس لفرح الرسول صلى الله عليه وسلم به، وأن فرحه هذا أحب لعمر رضي الله عنه من فرحه لو أسلم الخطاب ـ والد عمر ـ، وهذا الموقف يصور لنا لا أقول الحب ولكن أقول حدة عاطفة الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أسمى وأعظم صورها، فهي ترتفع فوق حبه لإسلام أبيه، لأن حب الرسول صلى الله عليه وسلم للعباس رضي الله عنه أقوى وأعظم من حبه للخطاب!!
وأمام هذا الهياج العاطفي العمري يأتي موقف النبي صلى الله عليه وسلم ليحسم الأمر بقوله (( اذهب به يا عباس إلى رحلك فإذا أصبحت فأتني به ) )وهو صلى الله عليه وسلم حينئذ لا يعارض عمر ولا يؤيده، إلا أن الذي يفهم من ذلك تأجيل الحكم عليه، وتأتي الرؤية النبوية بعد ذلك حيث قام أبو سفيان بدعوة قريش لاستقبال الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله لهم: (( من دخل داره فهو آمن... ) )ويعد موقف أبي سفيان تقديما طيبا لفتح مكة، وفي نفس الوقت موقفا تربويا نبويا لعمر الخليفة رضي الله عنه.
* (يا رسول الله ائذن لي أن أضرب عنق هذا المنافق) : لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم (حنين) (1)
(1) - الطبري: الرسل والملوك 3/92.
ابن الأثير: الكامل 2/184.
ابن كثير: البداية والنهاية 4/362، 363.